الرئيسيةالثقافة والمجتمعرحيل أحمد شريف الزعبي.. باحث كرّس مسيرته لحفظ التراث الأردني

رحيل أحمد شريف الزعبي.. باحث كرّس مسيرته لحفظ التراث الأردني

فقد المشهد الثقافي الأردني الباحث في التراث الشعبي الدكتور أحمد شريف الزعبي، بعد مسيرة طويلة جعل خلالها من توثيق ذاكرة المجتمع الأردني مشروعاً معرفياً متكاملاً، امتد من الأغنية والحكاية واللهجة إلى العادات والألعاب والحرف والطعام وأنماط الحياة اليومية.

ولم يتعامل الزعبي مع التراث باعتباره مجرد روايات من الماضي، بل بوصفه سجلاً اجتماعياً يكشف علاقة الإنسان بمحيطه ويحفظ ملامح الهوية الوطنية. ولهذا اعتمد في جانب مهم من أبحاثه على الروايات الشفوية ومقابلة كبار السن وتتبع المفردات والممارسات الشعبية قبل أن تتراجع بفعل تغير أنماط الحياة.

ولد أحمد شريف عيسى الزعبي عام 1947 في بلدة خرجا بلواء بني كنانة. وحصل على بكالوريوس التاريخ من جامعة دمشق عام 1970، ثم واصل دراساته في المجال الاجتماعي والتربوي حتى نال الدكتوراه في مناهج وطرق تدريس الاجتماعيات عام 1997.

وعلى المستوى المهني، أمضى سنوات طويلة في وزارة التربية والتعليم، متنقلاً بين التدريس وإدارة المدارس والإشراف التربوي ومواقع إدارية، من بينها إدارة التربية والتعليم لقصبة المفرق ومنطقة إربد الأولى.

من الأغنية الشعبية إلى معجم اللهجة الحورانية

ترك الزعبي عدداً من المؤلفات التي تناولت جوانب متنوعة من الموروث الأردني، من بينها «حكايات شعبية أردنية» و«الأغاني الشعبية الأردنية» و«مضافات وتعاليل» و«الألعاب الشعبية الأردنية» و«الحيوانات الأليفة والبرية في التراث الشعبي الأردني»، إلى جانب أعمال تناولت اللهجة الحورانية والطب والطعام الشعبيين.

وكان كتاب «الأغاني الشعبية الأردنية» من أبرز أعماله في هذا المجال، إذ وثق من خلاله جانباً من الموروث الغنائي المرتبط بالمناسبات والحياة الاجتماعية، وأسهم في حفظ مادة شعبية كانت عرضة للتراجع والاندثار مع تغير الأجيال وأنماط الحياة.

وفي عام 2020، أصدر «معجم اللهجة الحورانية»، الذي احتوى على نحو 10 آلاف مفردة ذات معانٍ ودلالات وكنايات مختلفة. وسعى العمل إلى تتبع جذور المفردات وصلاتها باللغة العربية الفصحى، إلى جانب رصد الروافد المختلفة التي أثرت في اللهجة عبر التاريخ.

ولم يكن هدف المعجم تسجيل الكلمات المتداولة فقط، بل توفير مادة يمكن أن يستفيد منها طلبة الجامعات والباحثون المهتمون باللغة واللهجات، وتحويل جزء من الذاكرة المحكية في منطقة حوران إلى سجل مكتوب قابل للدراسة.

موسوعة من 762 صفحة تختصر مشروعه البحثي

مثلت «الموسوعة في التراث الشعبي الأردني» إحدى أهم المحطات في مسيرة الزعبي، وبدت بمثابة حصيلة لعقود من البحث والجمع والتوثيق. وصدرت الموسوعة ضمن سلسلة «فكر ومعرفة» التابعة لوزارة الثقافة، وجاءت في 762 صفحة موزعة على ستة أبواب.

وتناولت أبوابها العادات والتقاليد، والأدب الشعبي وأشكال التعبير الثقافي، والفنون الشعبية وتقاليد أداء العروض، والحرف والصناعات والمهن التقليدية، والمعارف المرتبطة بالطبيعة والكون، إضافة إلى التراث المادي.

وعند إشهار الموسوعة في رابطة الكتاب الأردنيين عام 2024، شرح الزعبي رؤيته للتراث باعتباره عنصراً أساسياً في حماية الهوية الوطنية، مؤكداً أن مفهومه يشمل كل ما ورثه الناس عن أجدادهم، سواء كان مادياً أو ثقافياً غير مادي. كما رأى أن التراث الشعبي يعكس البيئة وتفاعل الإنسان معها ويحفظ سجلاً للأحداث الاجتماعية وصور الحياة المختلفة.

وهذه الفكرة تكاد تختصر مجمل مشروعه؛ فالقرية والمضافة والأغنية والمثل الشعبي والحرفة واللهجة لم تكن موضوعات منفصلة في مؤلفاته، بل أجزاء مترابطة من صورة المجتمع الأردني وتحولاته.

وبرحيل أحمد شريف الزعبي، تفقد الساحة الثقافية باحثاً أمضى جانباً كبيراً من حياته في جمع تفاصيل كان يمكن أن تتراجع من الذاكرة الشفوية مع مرور الأجيال. لكن مؤلفاته، وفي مقدمتها موسوعته ومعجمه وأعماله في الأغنية والحكاية الشعبية، تترك وراءه أرشيفاً معرفياً يتيح للباحثين العودة إلى جوانب واسعة من حياة الأردنيين وتراثهم.

ويبقى إرث الزعبي شاهداً على مشروع قام على فكرة واضحة: أن حماية التراث لا تقتصر على الاحتفاء به، بل تبدأ بجمعه ودراسته وكتابته، حتى تظل ذاكرة المكان والناس متاحة للأجيال المقبلة.

Ahmad Al-Khatib
Ahmad Al-Khatib
أحمد الحاتب — صحفي ومحلل يتمتع بخبرة تزيد عن 12 عامًا، عمل مع كبرى وسائل الإعلام في الأردن والعالم. يتخصص في التحليل والتغطية الصحفية والتحقيقات في مجالات الأخبار والثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا، مما يعزز مكانة موقع jonews24.
مقالات ذات صلة

الأكثر شعبية

التعليقات الأخيرة