يُعتبر نمط الحياة الراكد سبباً رئيسياً في تدهور الوظائف الإدراكية، لكن الأمر أكثر تعقيداً مما يُعتقد. عبارة “الجلوس هو المدخنة الجديدة” أصبحت شائعة جداً، وتحولت إلى حقيقة مقبولة في عالم الصحة، حيث يُنظر إلى كل دقيقة يقضيها الإنسان جالساً في كرسي أو أريكة على أنها خطوة نحو شيخوخة الجسم المبكرة. أظهرت الدراسات السابقة صلة واضحة بين الجلوس الطويل والانحدار الإدراكي.
لكن بحثاً علمياً جديداً يُعقّد هذه الصورة، مشيراً إلى أن تأثير السلوك الراكد على صحة الدماغ يعتمد على كيفية قضاء هذا الوقت تحديداً، خاصة ما إذا كان الجلوس “نشطاً” أو “سلبياً”، كما ينقل موقع Inc.
الدراسة الجديدة ومنهجيتها
نُشرت الدراسة في مجلة Journal of Alzheimer’s Disease، وتركز على العلاقة بين الجلوس وصحة الدماغ الإدراكية. يُعاني أكثر من 55 مليون شخص حول العالم حالياً من الخرف، بما في ذلك مرض الزهايمر، مع تسجيل نحو 10 ملايين حالة جديدة سنوياً.
بينما ربطت الدراسات السابقة نمط الحياة الراكد بالتدهور الإدراكي، إلا أن معظمها عامل الجلوس كنشاط واحد متجانس. هذه الدراسة تتبنى نهجاً أدق، حيث تميز بين الجلوس النشط (مثل القراءة أو الألعاب) والجلوس السلبي (مثل مشاهدة التلفاز)، لفهم أفضل كيفية تأثير أنواع الركود المختلفة على الدماغ.
استعرض الباحثون بيانات من ثماني قواعد بيانات إلكترونية رئيسية – EMBASE، Web of Science، PsycINFO، CINAHL، Medline، SPORTDiscus، PubMed، وScopus – منذ إنشائها وحتى سبتمبر 2024. أجروا مراجعة منهجية لـ85 دراسة، تركز على الأنشطة الجالسة اليومية الطبيعية في الظروف اليومية، لا البرامج المنظمة المصممة خصيصاً لتحفيز الوظائف الإدراكية.
النتائج: ليس كل جلوس سواء
“نوع الجلوس يحدث فرقاً حقيقياً. هذه النتائج تُظهر أن الخيارات اليومية الصغيرة – مثل قراءة كتاب بدلاً من مشاهدة التلفاز – يمكن أن تساعد في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر”، قال بول غاردينر، باحث في الصحة العامة وأحد المؤلفين للدراسة.
في تحليل الدراسات العديدة، وجد غاردينر وزملاؤه أن الجلوس النشط – بما في ذلك القراءة، ألعاب الورق، والاستخدام الحاسوبي – مرتبط ارتباطاً إيجابياً ساحقاً بصحة إدراكية أفضل. ترتبط هذه الأنشطة بتحسين الوظائف التنفيذية، الذاكرة الحدثية، والذاكرة العاملة.
أما الجلوس السلبي، فقد ارتبط دائماً بنتائج إدراكية سلبية. أنشطة مثل مشاهدة التلفاز، حيث ينفصل الشخص جسدياً وعقلياً، ترتبط بأداء إدراكي أقل ومخاطر أعلى للخرف.
رغم أهمية التمارين البدنية لصحة الدماغ، تشير البيانات إلى أن الإشراك العقلي أيضاً حاسم – ولا يتطلب بالضرورة النهوض من الكرسي. يمكن للعمل النشط للدماغ أثناء الجلوس أن يوفر فوائد إدراكية كبيرة.
أنواع الجلوس وتأثيرها الإدراكي
لتوضيح الفرق، إليك جدول يلخص النتائج الرئيسية من الدراسة:
| نوع الجلوس | أمثلة على الأنشطة | التأثير على الدماغ الإدراكي |
|---|---|---|
| الجلوس النشط | القراءة، ألعاب الورق، استخدام الحاسوب | تحسين الوظائف التنفيذية، الذاكرة الحدثية والعاملة، انخفاض خطر الخرف |
| الجلوس السلبي | مشاهدة التلفاز | تدهور إدراكي، أداء أقل، زيادة خطر الخرف |
توصيات مستقبلية للصحة العامة
يأمل غاردينر وزملاؤه أن تكون هذه النتائج أساساً لأبحاث مستقبلية، تضيف تفاصيل إلى التوصيات الصحية الحالية. بدلاً من التركيز فقط على تقليل وقت الجلوس، يقترحون التمييز بين السلوك الراكد السلبي والنشط، مما يمكن الأشخاص من اتخاذ خيارات أكثر وعياً.
“يمكن أن تتحول نصائح الصحة من مجرد القول ‘اجلس أقل’ إلى تشجيع الأنشطة الإدراكية النشطة أثناء الجلوس. هذا قد يساعد الناس على إجراء تغييرات بسيطة وعملية تدعم صحة الدماغ طويلة الأمد، وتقلل ربما من خطر الخرف”، أضاف غاردينر.