في بلد يُعد من بين الأكثر فقراً بالمياه على مستوى العالم، لم تعد قضية الأمن المائي مرتبطة فقط بتوفير كميات إضافية من المياه، بل أصبحت ترتبط بمدى قدرة السياسات والمشروعات الوطنية على التكيف مع واقع مناخي أكثر تعقيداً وتحدياً.
وفي هذا الإطار، تبرز مبادرة ندرة المياه ومشروع تعزيز المرونة المناخية في الأردن من خلال رفع كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي كنموذج جديد يسعى إلى تطوير إدارة الموارد المائية بما يحقق استدامتها على المدى الطويل.
تعزيز كفاءة المياه ومواجهة آثار التغير المناخي
يرى مختصون أن هذه المبادرات تمثل تطوراً مهماً في أساليب التعامل مع أزمة المياه، إذ تنتقل من التركيز على معالجة آثار النقص المائي إلى بناء منظومة أكثر قدرة على التكيف مع الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الهطول المطري.
وأكد وزير المياه والري المهندس رائد أبو السعود أن مشروع تعزيز المرونة المناخية، الذي يعد أول مشروع ممول من الصندوق الأخضر للمناخ في الأردن، يهدف إلى تحسين كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي، وتعزيز قدرة المؤسسات والمجتمعات المحلية على مواجهة التحديات المناخية المتزايدة.
وأشار إلى أن مبادرة ندرة المياه تدعم الأمنين المائي والغذائي من خلال تطوير إدارة الموارد المائية والتوسع في استخدام المصادر غير التقليدية، بما في ذلك المياه المعالجة والمياه المحلاة، باعتبارها خيارات استراتيجية لمواجهة محدودية الموارد الطبيعية.
ومن أبرز المحاور التي ترتكز عليها هذه المشاريع:
- رفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة.
- التوسع في استغلال المياه غير التقليدية.
- دعم تطبيقات الزراعة الذكية مناخياً.
- تعزيز القدرات المؤسسية والفنية.
- تطوير سياسات طويلة الأمد لإدارة الموارد المائية.
حلول مبتكرة لبناء أمن مائي مستدام
من جانبها، أوضحت المهندسة ميسون الزعبي، مديرة مشروع تعزيز المرونة المناخية في الأردن، أن أهمية المشروع لا تقتصر على توفير موارد مائية إضافية، بل تشمل إعادة صياغة آليات إدارة المياه والزراعة بما يرفع قدرة المملكة على التكيف مع الضغوط المناخية المتزايدة.
وأضافت أن المشروع يستند إلى ثلاثة محاور مترابطة تتمثل في تحسين كفاءة استخدام المياه، وتوسيع الاعتماد على المصادر غير التقليدية، ودعم الممارسات الزراعية الذكية مناخياً، إلى جانب بناء القدرات المؤسسية وتطوير آليات قياس الأثر والاستدامة.
وأشارت إلى أن من أبرز مكونات المشروع تطوير أنظمة حصاد مياه الأمطار من خلال حلول لامركزية تعتمد على إشراك المجتمعات المحلية والأسر في إدارة الموارد المائية. وقد تم بالفعل إنشاء عدد من الآبار المنزلية لجمع مياه الأمطار، مع خطط للتوسع في هذه التجربة خلال المراحل المقبلة.
كما يركز المشروع على زيادة الاستفادة من المياه المعالجة باعتبارها مورداً مستداماً يمكن توظيفه في القطاعات الزراعية والصناعية، بما يخفف الضغط عن مصادر المياه العذبة ويوجهها للاستخدامات المنزلية ومياه الشرب.
وفي القطاع الزراعي، يجري العمل على تطبيق تقنيات حديثة وأساليب إنتاج أكثر كفاءة تساعد المزارعين على التكيف مع التغيرات المناخية وتحسين الإنتاجية الزراعية مع الحفاظ على الموارد الطبيعية.
ويرى الخبراء أن هذه المبادرات لا تمثل قطيعة مع النهج التقليدي لإدارة المياه في الأردن، بل تشكل مرحلة متقدمة من تطويره، من خلال دمج مفاهيم التكيف المناخي والإدارة اللامركزية والابتكار الزراعي ضمن إطار أكثر شمولاً واستدامة. ومع تصاعد التحديات المرتبطة بالمناخ والنمو السكاني، تكتسب هذه المشاريع أهمية متزايدة في دعم الأمن المائي والغذائي وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة المتغيرات المستقبلية.