تشير دراسات علمية حديثة إلى أن انهيار أحد أهم أنظمة المحيطات في العالم، وهو نظام الدورة الانقلابية الأطلسية (AMOC) الذي يشمل تيار الخليج، قد لا يؤدي فقط إلى تبريد أجزاء من أوروبا، بل قد يساهم أيضاً في تسريع وتيرة الاحترار العالمي. ويكمن السبب في إمكانية إطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون المخزّن حالياً في أعماق المحيطات.
هذه النتائج جاءت ضمن نماذج مناخية متقدمة طورها باحثون في معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ، حيث تم تحليل سيناريو توقف هذا النظام الحيوي وتأثيره على توازن الكربون في الغلاف الجوي.
كيف يعمل هذا النظام ولماذا هو مهم؟
يُعد نظام AMOC بمثابة “حزام ناقل” ضخم ينقل الحرارة حول الكوكب، إذ يحمل المياه الدافئة من المناطق الاستوائية نحو الشمال، بينما تعود المياه الباردة نحو الجنوب. وتحدث هذه العملية نتيجة غوص المياه الباردة والمالحة قرب غرينلاند إلى الأعماق، مما يحافظ على استمرارية الدورة.
لكن هذا التوازن الدقيق مهدد حالياً بسبب ذوبان الجليد، الذي يضيف كميات كبيرة من المياه العذبة إلى المحيط. هذا التغيير يقلل من ملوحة المياه وكثافتها، ما قد يؤدي إلى إبطاء الدورة أو حتى توقفها بالكامل.
نتائج مقلقة: إطلاق الكربون وارتفاع الحرارة
أظهرت النماذج أن توقف AMOC قد يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الكربون المخزن في أعماق المحيط، مما يرفع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بمقدار يتراوح بين 47 و83 جزءاً في المليون. وهذا بدوره قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في درجات الحرارة العالمية بنحو 0.27 درجة مئوية.
ومن أبرز التأثيرات المتوقعة:
- تحوّل المحيط من “مخزن للكربون” إلى مصدر لانبعاثه
- زيادة الضغط على النظام المناخي العالمي
- تسارع وتيرة الاحترار في نصف الكرة الجنوبي
وفي الوقت الحالي، يمتص المحيط نحو ربع الانبعاثات البشرية من ثاني أكسيد الكربون، ما يجعله عاملاً حاسماً في الحد من تغير المناخ. إلا أن هذا الدور قد ينقلب في حال انهيار النظام.
اختلال التوازن الحراري بين نصفي الكرة الأرضية
تُظهر النتائج أيضاً أن تأثيرات الانهيار لن تكون متساوية في جميع أنحاء العالم. ففي حين قد تشهد مناطق من النصف الشمالي انخفاضاً في درجات الحرارة، فإن النصف الجنوبي قد يتعرض لزيادة ملحوظة في الحرارة.
فعلى سبيل المثال:
- قد تنخفض درجة الحرارة في القطب الشمالي بنحو 7 درجات مئوية
- في المقابل، قد ترتفع في القطب الجنوبي بحوالي 6 درجات
وفي حال ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون بشكل أكبر، قد تتجاوز الزيادة في درجات الحرارة في القارة القطبية الجنوبية 10 درجات مئوية، ما يشكل تهديداً كبيراً لاستقرار الجليد هناك ويزيد من خطر ارتفاع مستوى سطح البحر.
هل يمكن للنظام أن يتعافى؟
يحذر العلماء من أن استقرار نظام AMOC يعتمد بشكل كبير على مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ففي حال حدوث الانهيار عند مستويات مرتفعة من الغازات الدفيئة، فإن عودة النظام إلى حالته الطبيعية تصبح أمراً غير مرجح.
وأشار الباحثون إلى أن النظام قد يدخل في حالة “ثنائية الاستقرار”، حيث يضعف تدريجياً على مدى مئات السنين قبل أن ينهار بشكل كامل، ويبقى في تلك الحالة لفترة طويلة دون تعافٍ.
هذا السيناريو يسلط الضوء على خطورة استمرار ارتفاع الانبعاثات، ويؤكد أن تأثيرات تغير المناخ قد تكون أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً.
في النهاية، يبرز هذا الاكتشاف أهمية اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من الانبعاثات، لأن أي اضطراب في الأنظمة الطبيعية الكبرى، مثل تيار الخليج، قد يطلق سلسلة من التغيرات التي يصعب عكسها.