لم تعد السدود في الأردن مجرد منشآت هندسية مخصصة لتجميع المياه وتخزينها، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى مواقع بيئية ذات أهمية متزايدة، تؤدي دوراً محورياً في دعم التنوع الحيوي وحماية الأنواع البرية والطيور المهاجرة، إلى جانب مساهمتها الأساسية في تعزيز الأمن المائي الوطني.
وفي ظل التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية وندرة الموارد المائية، أصبحت هذه المواقع تمثل نقطة التقاء بين متطلبات التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة. إلا أن خبراء يحذرون من أن استمرار التعديات والأنشطة غير المنظمة داخل حرم السدود قد يهدد هذه المكاسب ويؤثر على قدرتها في أداء وظائفها الحيوية.
تحديات متزايدة تهدد النظم البيئية
تشير دراسات وخبراء في مجال التنوع الحيوي إلى أن السدود الأردنية تواجه ضغوطاً متنامية نتيجة الصيد الجائر، واستخدام وسائل صيد غير قانونية، ودخول المركبات إلى المناطق الحساسة بيئياً، إضافة إلى الأنشطة الترفيهية العشوائية التي تؤثر على الموائل الطبيعية وتزيد من مخاطر تلوث المياه.
ولا تقتصر آثار هذه الممارسات على الجانب البيئي فقط، بل تمتد إلى رفع تكاليف إدارة السدود وصيانتها مستقبلاً، فضلاً عن التأثير على جودة المياه وتقليص الفرص الاقتصادية المرتبطة بالسياحة البيئية والاستثمارات الخضراء.
ويؤكد مختصون أن بعض السدود الأردنية أصبحت موائل مهمة للطيور المهاجرة والمائية، حيث تم توثيق أكثر من 180 نوعاً من الطيور في سد الكفرين وحده، ما يجعل هذه المواقع جزءاً مهماً من شبكة التنوع الحيوي في المملكة.
خارطة طريق لحماية حرم السدود
واقترحت ورقة سياسات أعدها خبراء في التنوع الحيوي تنفيذ خطة متدرجة لحماية السدود تبدأ خلال العام الأول بتشكيل لجنة وطنية متخصصة برئاسة سلطة وادي الأردن، وتحديد السدود ذات الأولوية البيئية، ووضع حدود واضحة لمناطق الحماية حولها.
كما تشمل الإجراءات المقترحة:
- تكثيف الحملات الرقابية لمكافحة الصيد الجائر والتعديات.
- إنشاء برنامج وطني لرصد التنوع الحيوي ومراقبة جودة البيئة حول السدود.
- تطوير قاعدة بيانات وطنية موحدة تشمل القيم البيئية والأنواع الحيوية المرتبطة بكل سد.
- إطلاق برامج توعية مجتمعية لتعزيز ثقافة الحفاظ على الموارد المائية.
- تنظيم الأنشطة السياحية والترفيهية بما ينسجم مع متطلبات الحماية البيئية.
- دعم مشاريع البحث العلمي المرتبطة بالأنظمة البيئية المائية.
مخاطر عدم التدخل
ويرى الخبراء أن تجاهل هذه التحديات قد يؤدي إلى فقدان موائل طبيعية مهمة للطيور والكائنات البرية، وزيادة مستويات التلوث في الخزانات المائية، وارتفاع كلف المعالجة والصيانة مستقبلاً. كما قد يؤثر ذلك على قدرة الأردن في الوفاء بالتزاماته الدولية المتعلقة بحماية التنوع الحيوي والأراضي الرطبة والأنواع المهاجرة.
ويؤكد المختصون أن حماية السدود لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة الأمن المائي والاقتصادي في الأردن، ما يستدعي تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية وتفعيل القوانين لضمان استدامة هذه الموارد الحيوية للأجيال المقبلة.