عمان – قال اقتصاديون إن مؤشرات النمو والاستثمار والتجارة في الأردن تعكس تعدد القطاعات المساهمة في النشاط الاقتصادي، مشيرين إلى أن ترسيخ هذا المسار يتطلب تعزيز استدامة النمو ورفع الإنتاجية وتوسيع فرص التشغيل.
وسجل الاقتصاد الأردني نموا حقيقيا بنسبة 3 % خلال الربع الثاني من العام الحالي، مدفوعا بمساهمات أنشطة اقتصادية شملت الزراعة والصناعة التحويلية والكهرباء والمياه، إلى جانب التجارة والنقل والخدمات المالية وتكنولوجيا المعلومات.
وفي التجارة الخارجية، ارتفعت الصادرات الوطنية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام بنسبة 4.6 % لتبلغ 5.509 مليار دينار، فيما ارتفعت إعادة التصدير بنسبة 67.2 % إلى 886 مليون دينار، لتصل الصادرات الكلية بذلك إلى 6.395 مليار دينار بنمو نسبته 10.3 %.
وقال الخبير الاقتصادي منير دية إن المؤشرات الأخيرة تعكس تنوع قاعدة الاقتصاد الأردني وتعدد محركات نموه، مستندا إلى نتائج الربع الثاني التي أظهرت مساهمة مجموعة من القطاعات في تحقيق نمو اقتصادي بلغ 3 %.
وأوضح دية أن النشاط الاقتصادي لا يتركز في قطاع واحد، بل يتوزع على مجموعة من الأنشطة التي تسهم بنسب متفاوتة في الناتج المحلي الإجمالي، ما يعزز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية، ويتيح للقطاعات الأخرى تعويض جانب من التراجع الذي قد يصيب نشاطا بعينه.
وأشار إلى أن عددا من القطاعات الإنتاجية أظهر مساهمات متزايدة في النشاط الاقتصادي، وفي مقدمتها الصناعات التحويلية بما تشمل الصناعات الدوائية والغذائية والملابس والمنسوجات، إلى جانب التعدين وصناعات الفوسفات والبوتاس والأسمدة.
واستدل على تنوع القاعدة الإنتاجية بارتفاع الصادرات الوطنية ووصولها إلى مستويات قياسية، معتبرا أن تعدد المنتجات التصديرية يعكس وجود صناعات قادرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، بدلا من الاعتماد على سلعة أو صناعة واحدة.
وفي قطاع الطاقة، لفت دية إلى الفرص التي يتيحها التوسع في الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي والصخر الزيتي، إلى جانب المشاريع المرتبطة بالهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، مبينا أن تطوير هذه المجالات يمكن أن يوسع مساهمة الطاقة في النشاط الاقتصادي.
وأكد أن المشاريع الكبرى، خصوصا في المياه والنقل والسكك الحديدية والطاقة والغاز، يمكن أن تشكل محركات إضافية للنمو خلال السنوات المقبلة، من خلال تحسين البنية التحتية وخفض الكلف التشغيلية. وأشار في هذا السياق إلى أن تطوير النقل والسكك الحديدية وميناء العقبة يمكن أن يعزز موقع الأردن مركزا لوجستيا إقليميا للنقل والشحن والترانزيت، لافتا إلى أن ارتفاع تجارة الترانزيت وزيادة المناولة في الميناء يشيران إلى فرص يمكن البناء عليها. كما شدد على أهمية مشروع الناقل الوطني للمياه في تعزيز أمن التزويد المائي ودعم الأنشطة الاقتصادية.
من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري إن مؤشرات النشاط الاقتصادي تظهر تعددا في محركات النمو، مشيرا إلى أهمية قطاعات الصناعة والاستثمار والكهرباء، إلى جانب تحويلات العاملين في الخارج، في دعم النشاط الاقتصادي الوطني.
وأوضح أن القطاع الصناعي شهد توسعا خلال السنوات الماضية مع امتداد نشاطه إلى صناعات جديدة، لافتا إلى استمرار توسع الصناعات الدوائية ونجاحها في الوصول إلى أسواق خارجية جديدة. وأشار إلى أن أهمية الصناعة لا تقتصر على مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، بل تشمل قدرتها على توفير فرص العمل وتحفيز الطلب على مدخلات الإنتاج والنقل والخدمات.
وفي قطاع الكهرباء، قال الحموري إن التطورات المرتبطة بالربط الكهربائي مع الدول المجاورة تستحق دراسة اقتصادية متخصصة، في ضوء تنامي دور القطاع ضمن منظومة الطاقة.
وفي ما يتعلق بالاستثمار، أشار إلى وجود مؤشرات على توسع النشاط الاستثماري، خصوصا في المناطق التنموية، بالتوازي مع نمو عدد من الأنشطة والمنشآت والسجلات التجارية، لكنه دعا إلى قراءة هذه المؤشرات بصورة متوازنة، موضحا أن نمو الاستثمارات والمنشآت الجديدة يقابله في بعض الحالات تقلص محدود في أعداد منشآت أخرى، ما يستدعي متابعة صافي التغير في النشاط الاقتصادي ومدى استدامة المنشآت الجديدة. وأكد أن تحويلات العاملين في الخارج تمثل أحد محركات النشاط الاقتصادي، داعيا إلى مواصلة دراسة أثرها في النمو والطلب المحلي.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي محمد الحدب السرحان إن بيانات الربع الثاني من عام 2026 تشير إلى بداية انتقال تدريجي نحو قاعدة اقتصادية أوسع، مع تأكيد أن من المبكر اعتبار هذا التحول مكتملا.
وأوضح أن النمو الاقتصادي البالغ 3 % لم ينتج عن نشاط واحد، إذ سجلت الزراعة نموا بنسبة 7.8 %، والصناعة التحويلية 6.2 %، والكهرباء 5 %، والمياه 4.1 %، إلى جانب نمو التجارة والنقل والخدمات المالية وتكنولوجيا المعلومات بأكثر من 3 %.
ويرى السرحان أن تعدد مصادر النمو يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات ويقلل مخاطر الاعتماد على قطاع واحد، خصوصا عندما تتوزع المساهمات بين أنشطة إنتاجية وخدمية تختلف في طبيعتها وأسواقها ومصادر الطلب عليها.
وأضاف أن مؤشرات التجارة والاستثمار والتشغيل تدعم هذا الاتجاه؛ إذ ارتفعت الصادرات الكلية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، فيما زاد حجم الاستثمار في المناطق التنموية خلال النصف الأول، وارتفع عدد العاملين فيها بنحو 6 آلاف عامل ليقترب من 123 ألفا.
وسجلت المناطق التنموية 46 مشروعا جديدا باستثمارات متوقعة بلغت نحو 402 مليون دينار، مقارنة بـ27 مشروعا باستثمارات تقارب 60 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وبحسب السرحان، فإن تزامن التحسن في الإنتاج والصادرات والاستثمار والتشغيل يقدم صورة أوسع عن النشاط الاقتصادي، لكنه يظل بحاجة إلى متابعة قدرة هذه المؤشرات على الاستمرار والتحول إلى نتائج فعلية على مستوى الإنتاج وفرص العمل.
وأشار إلى أن التحول الأهم في بنية الاقتصاد يتمثل في اتساع فرص النمو عبر قطاعات متعددة، من الصناعة والزراعة إلى الخدمات الرقمية والمالية واللوجستية والطاقة، مبينا أن توجهات رؤية التحديث الاقتصادي تنسجم مع هذا المسار من خلال التركيز على الصناعات عالية القيمة، وتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني والصناعات الإبداعية، والنقل والخدمات اللوجستية، والطاقة والتعدين والسياحة، إلى جانب الزراعة والأمن الغذائي.



