يؤكد عدد من الخبراء في مجالي التكنولوجيا والعلوم أن استخدام عبارات مهذبة مثل “من فضلك” و“شكراً” أثناء التفاعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على طبيعة الإجابات التي يقدمها النظام وحتى على طريقة تفاعل الإنسان مع التكنولوجيا بشكل عام.
هذا الرأي طرحته عالمة الرياضيات في جامعة كامبريدج هانا فراي، إلى جانب الباحث الشهير في مجال الذكاء الاصطناعي والحائز على جائزة نوبل جيفري هينتون، حيث أوضحا أن أسلوب المستخدم في طرح الأسئلة قد يلعب دوراً مهماً في جودة الحوار مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.
كيف يمكن للأدب أن يحسن إجابات الذكاء الاصطناعي؟
تشير هانا فراي إلى أن كثيراً من المستخدمين يتعاملون مع روبوتات المحادثة كما لو كانت مجرد موسوعة رقمية تقدم معلومات مختصرة ومباشرة. وعندما يتم طرح السؤال بهذه الطريقة، غالباً ما تأتي الإجابات مختصرة وجافة وتقتصر على المعلومات الأساسية.
لكن فراي ترى أن من الأفضل التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة مرنة يمكنها أداء أدوار مختلفة. فعلى سبيل المثال، يمكن للمستخدم أن يطلب من النظام تقديم الإجابة كما لو كان خبيراً علمياً أو باحثاً متخصصاً في مجال معين. كما يمكن توجيه الذكاء الاصطناعي للرد بأسلوب محدد مثل أسلوب كاتب أو عالم.
في هذا السياق، تساعد العبارات المهذبة على خلق حوار أكثر طبيعية بين الإنسان والنظام الرقمي، ما يؤدي غالباً إلى إجابات أكثر تفصيلاً وتنظيماً.
جدل حول تكلفة “اللباقة الرقمية”
كانت هذه القضية قد أثارت نقاشاً واسعاً بعد تصريح الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان بأن استخدام كلمات المجاملة مع روبوتات المحادثة يكلف الشركة ملايين الدولارات بسبب الزيادة في استهلاك الطاقة اللازمة لمعالجة الطلبات الإضافية.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن مسألة الأدب في التفاعل مع الأنظمة الرقمية لا ترتبط فقط بالتكاليف التقنية أو الأخلاقية. فبحسب الخبراء، يساعد استخدام لغة مهذبة على صياغة الأسئلة بشكل أوضح وأكثر دقة، ما يتيح للذكاء الاصطناعي تقديم إجابات منظمة ومفيدة.
كما يساهم هذا الأسلوب في بناء ثقافة تواصل صحية مع الأنظمة الرقمية التي أصبحت تلعب دوراً متزايد الأهمية في الحياة اليومية، سواء في التعليم أو العمل أو البحث عن المعلومات.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل العلاقة مع البشر
يرى جيفري هينتون، الذي يطلق عليه كثيرون لقب “الأب الروحي للذكاء الاصطناعي”، أن العالم قد يضطر مستقبلاً إلى التكيف مع أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً وقوة. ويشير إلى أن الأنظمة المتقدمة قد تكون قادرة على تطوير أهداف فرعية خاصة بها، مثل السعي إلى الحفاظ على وجودها أو زيادة قدرتها على التحكم في الموارد.
ويقارن هينتون العلاقة المحتملة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي بعلاقة الأم بطفلها، حيث يمكن للطرف الأقل قوة أن يؤثر على الطرف الأقوى عبر روابط اجتماعية أو سلوكية معينة.
لماذا يهم هذا الأمر اليوم؟
اليوم يستخدم ملايين الأشخاص حول العالم روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة مثل التعليم والعمل والبحث عن المعلومات وإنجاز المهام اليومية.
ورغم أن هذه الأنظمة لم تصل بعد إلى مستوى الاستقلال الكامل، فإن الخبراء يرون أن طريقة تعامل البشر مع التكنولوجيا تتشكل منذ الآن. لذلك قد تكون الكلمات البسيطة مثل “من فضلك” و“شكراً” أكثر أهمية مما يعتقد البعض، ليس فقط من ناحية الأخلاق أو الأدب، بل أيضاً لتحسين جودة التفاعل مع التكنولوجيا الحديثة.