الرئيسيةنمط الحياة«يمكن نحتاجه».. لماذا تتراكم في بيوتنا أشياء لا نستخدمها؟

«يمكن نحتاجه».. لماذا تتراكم في بيوتنا أشياء لا نستخدمها؟

في مطبخ سميرة، يتحول درج صغير إلى أرشيف مزدحم: شواحن لهواتف اختفت، ومفتاح مجهول الباب، وأكياس تسوق مطوية بعناية، وقطع بلاستيكية انفصلت عن أدوات قديمة، وبطاريات وعلب لا تؤدي وظيفة واضحة. تفتح الدرج بحثا عن غرض محدد، ثم تغلقه من دون أن تتخلص من شيء. وحين تسألها ابنتها عن سبب الاحتفاظ بكل هذا، تجيب من دون تردد: «يمكن نحتاجها».

العبارة تبدو عابرة، لكنها تختصر علاقة كاملة بالأشياء وبالمستقبل. فكثيرون يحتفظون بأغراض لا يحتاجونها فعلا، خوفا من أن يحتاجوها يوما. وحتى إذا لم يعرفوا متى أو كيف سيستخدمونها، يكفي احتمال الحاجة ليبقى الغرض في مكانه أعواما. وهكذا يتحول درج الاحتياط من مساحة صغيرة إلى بوليصة تأمين شخصية ضد المفاجآت؛ بوليصة لا تُدفع بالمال فقط، بل بالمساحة التي تشغلها الأشياء وبالقرارات المؤجلة أمام كل غرض.

لا يقتصر الأمر عند يوسف على درج أو صندوق. فهو يحتفظ بكل ما يتصل بالسيارات والأجهزة الكهربائية، مقتنعا بأن الحاجة قد تدعو يوما إلى قطعة ظن آخرون أنها لم تعد صالحة. ومع الوقت امتلأ مخزن منزله بأسلاك وإطارات مهترئة وأغراض يصعب على الزائر أن يتخيل متى ستُستعمل. لكنه لا يرى في ذلك عبثا؛ فكل قطعة تحمل احتمالا، وكل سلك أو قابس قد يناسب إصلاحا طارئا. يقول: «ما قد يراه الجميع خردة لا تستحق المساحة، أراه احتياطا يمكن أن يوفر عليّ عناء البحث والشراء في المستقبل».

أما فرح، فالمسألة عندها أبعد من السيارات والأدوات. تجد صعوبة في الاستغناء عن أي شيء تقريبا، من أكياس الملابس إلى إكسسوارات على قطع مهترئة، وصولا إلى أغراض منزلية لا تعرف ماذا ستفعل بها. تقرّ بأن التخلص منها صعب، لأن احتمال الحاجة إليها في المستقبل يمنعها من التفريط بها، حتى من دون خطة واضحة. وتقول إن القرار يبدو بسيطا لمن ينظر من الخارج، وقد يسألها أحدهم: «إذا لم تعودي بحاجة إلى الغرض، فلماذا تحتفظين به؟». فتجيب: «ما يبدو منطقيا في لحظة الشراء أو الترتيب يصبح أكثر تعقيدا لحظة التخلص منه». وهكذا تعيش فرح بين عدم الحاجة الفعلية والخوف من الحاجة المقبلة، فتتراكم الأغراض ويتحول الاحتفاظ من قرار محدد إلى عادة يصعب كسرها.

لدى مهند خزانة خاصة للاحتياط، يراها قادرة على إنقاذه عند الحاجة إلى غرض منزلي أو قطعة للتصليح. لم تأت الفكرة من فراغ؛ فقد كان والده يملك خزانة مشابهة، وكان مهند يلجأ إليها كثيرا ويستفيد من أدواتها. يربط العادة بما كانت عليه الحياة سابقا، حين لم يكن الحصول على بعض الأشياء سهلا، وكان الاحتفاظ بما يمكن إصلاحه أو إعادة استخدامه أمرا عمليا. وبعد زواجه انتقلت الفكرة إلى منزله، فصار يحتفظ بمستلزمات منزلية ومواد تصليح كثيرة. لكن تجربته تكشف مفارقة: فعلى الرغم من ارتياحه لوجود ما قد يحتاجه في الخزانة، فإنه عندما يحتاج غرضا فعلا يسهل عليه الذهاب إلى السوق وشراء بديل، بدل البحث بين محفوظاته. وتبقى الخزانة مصدر طمأنينة أكثر من كونها مصدر حلول في كثير من الأحيان؛ فهو يرتاح لامتلاك ما قد يحتاجه، حتى إن لم يستخدمه عندما تقتضي الحاجة.

ذاكرة الندرة وانتقال العادة

رغم اختلاف الأغراض في قصص يوسف وفرح ومهند، يجمع بينها أن الاحتفاظ لا يرتبط دائما بالقيمة العملية للشيء. فقد يتصل بتجربة قديمة، أو عادة ورثها الإنسان عن أسرته، أو خوف من الندم، أو رغبة في الشعور بأنه يملك ما يكفي لمواجهة ظرف غير متوقع. ويوضح اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن ندرة بعض الاحتياجات في الماضي أسهمت في نشوء هذه العادة واستمرارها لدى كثيرين. ويؤكد أن السلوك لا ينفصل عن ذاكرة الندرة؛ فالأجيال التي عاشت ظروفا اقتصادية صعبة، أو اعتادت عدم توافر بعض الاحتياجات بسهولة، طورت أساليب للتدبير وإعادة الاستخدام. فقد تتحول قطعة قماش إلى ممسحة، أو تصبح العلبة الفارغة مكانا لحفظ المسامير، أو تتحول قطعة قديمة إلى مصدر لجزء يستفاد منه في إصلاح غرض آخر.

ويضيف خزاعي أن الاحتفاظ في مثل هذه الظروف لم يكن رغبة في الجمع، بل وسيلة لتقليل الهدر وتجنب تكاليف الشراء. ويكمل أن تكرار التجارب أسهم في انتقال القناعة من جيل إلى آخر، حتى بعد تغير الظروف التي أنشأتها. ولهذا تبدو خزانة مهند امتدادا لخزانة والده؛ فقد تتغير الأشياء نفسها، لكن الفكرة تبقى: لا تتخلص مما قد تحتاجه يوما.

في المقابل، يعيش الأبناء اليوم في سوق تتوافر فيه منتجات كثيرة، لكن الوفر لا يجعل الاستغناء عنها سهلا نفسيا بالضرورة. فبعض القطع يصعب العثور على بديل مطابق، وبعض الأجهزة تحتاج وصلات محددة، وشراء غرض جديد قد يبدو يسيرا في لحظة لكنه يصبح مكلفا أو مزعجا عند التكرار. قد يفسر ذلك الاحتفاظ ببعض الأسلاك وقطع الغيار، لكنه لا يفسر بالضرورة تراكم كل ما لم يعد له استخدام واضح.

بين الاحتفاظ العملي واضطراب الاكتناز

توضح المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني مفهوم الاكتناز والخوف من الاحتياج، وأهمية التمييز بين احتفاظ عملي يستند إلى حاجة متوقعة ومعقولة، ونمط يصبح فيه التخلص من الأشياء مصدر قلق أو عجز عن القرار. وتؤكد أن درجا مزدحما أو خزانة مليئة لا تدلان بالضرورة على مشكلة نفسية، كما أن كثرة الممتلكات وحدها لا تكفي للحكم على حالة الشخص. وتشير إلى أن الأمر يستحق التوقف عنده عندما يصبح الخوف من الحاجة المستقبلية العامل الحاسم في كل مرة، ويستمر الشخص في الاحتفاظ بأشياء لا يعرف كيف سيستخدمها، رغم ازدحام المساحات وصعوبة الاستفادة منها. فالمسألة عندئذ لا تتعلق بعدد الأغراض فحسب، بل بطبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بها، وبمدى تأثيرها في حياته اليومية.

وتبيّن الكيلاني أن هناك فرقا بين الاحتفاظ المعتاد واضطراب الاكتناز، الذي يتسم بصعوبة مستمرة في التخلص من الممتلكات حتى عندما تكون قيمتها الفعلية محدودة، وقد يؤدي إلى تراكم يعيق استخدام المساحات أو يؤثر في جودة الحياة. ولا يمكن تشخيص هذه الحالة من خلال موقف واحد أو خزانة ممتلئة، بل يتطلب الأمر تقييما من مختص يأخذ في الاعتبار نمط السلوك وتأثيره في الشخص ومحيطه. وتوضح أن أكثر ما يجعل عبارة «يمكن نحتاجها» مقنعة أنها ليست خاطئة دائما؛ فقد يحتاج الإنسان حقا إلى قطعة احتفظ بها أعواما، أو ينقذه غرض قديم من شراء بديل، أو يجد في خزانة المنزل شيئا يصعب وجوده في السوق. وتؤكد أن هذه التجارب حقيقية ومفهومة، وهي ما يجعل الاحتفاظ أحيانا قرارا حكيما لا مجرد عادة تستحق اللوم.

وفي النهاية، لا يحتاج درج الاحتياط إلى أن يصبح فارغا تماما، ولا ينبغي التعامل مع كل غرض قديم كعبء. فهناك أدوات تستحق البقاء، وقطع توفر الوقت والمال، وأشياء تحمل قيمة شخصية لا يريد الإنسان التفريط فيها. لكن الفارق يكمن في معرفة ما يستحق البقاء فعلا، وما يحتفظ به المرء لمجرد خوفه من أن يحتاجه يوما.

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب
أحمد الحاتب — صحفي ومحلل يتمتع بخبرة تزيد عن 12 عامًا، عمل مع كبرى وسائل الإعلام في الأردن والعالم. يتخصص في التحليل والتغطية الصحفية والتحقيقات في مجالات الأخبار والثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا، مما يعزز مكانة موقع jonews24.
مقالات ذات صلة

الأكثر شعبية

التعليقات الأخيرة