انطلقت في العاصمة الأردنية عمّان أعمال مؤتمر «مسيحيو الشرق: مشاركون في بناء المستقبل»، الذي ينظمه المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور، بمشاركة شخصيات دينية وسياسية وأكاديمية. وافتتح المؤتمر وزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين، مندوبًا عن رئيس الوزراء، في حدث يستمر يومين ويناقش دور المسيحيين في الشرق الأوسط أمام التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وسبل تعزيز مشاركتهم الفاعلة في بناء مجتمعات مستقرة وشاملة، مع إبراز التجربة الأردنية في المواطنة الإيجابية.
وقال حجازين إن الأردن جسّد عبر تاريخه نموذجًا راسخًا للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، يقوم على الأخوة والمواطنة والمصير المشترك، لا على مجرد التعايش، مؤكدًا أن التنوع الديني والثقافي يمثل مصدر قوة للمجتمعات وركيزة لهويتها الحضارية والإنسانية. وأضاف أن الدولة القوية هي التي تحسن إدارة تنوع مكوناتها، وتصون كرامة أبنائها، وتحوّل الاختلاف إلى مصدر قوة، لافتًا إلى أن الأردن بقيادة الملك عبدالله الثاني يواصل ترسيخ قيم الأخوة وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية وتعزيز الحوار بين أتباع الأديان.
وأشار الوزير إلى أهمية المواقع الدينية والتاريخية في الأردن، وفي مقدمتها موقع عماد السيد المسيح (المغطس)، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2015، بوصفه شاهدًا حيًا على الإرث المسيحي في المنطقة، ومسؤولية حضارية تتطلب حمايته وصون قيمته الروحية والتاريخية وفق المعايير العلمية والمهنية. كما لفت إلى أن الاستعدادات للاحتفال عام 2030 بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في نهر الأردن تشكل فرصة لتعريف العالم بالإرث المسيحي الأصيل في المملكة وتجربتها في العيش المشترك وتعزيز الحوار بين الأديان.
وشدد حجازين على أن نجاح هذه المناسبة لا يُقاس بحجم الاحتفالات وحده، بل بقدرتها على تحقيق إرث مستدام من الشراكات، وتطوير المواقع والخدمات السياحية، وتمكين المجتمعات المحلية من الاستفادة من عوائد التنمية. وأكد أهمية تمكين الشباب وتعزيز دور المؤسسات الدينية والوطنية وتوسيع التبادل الثقافي والمعرفي وترسيخ احترام التنوع والاحتكام إلى القانون، موضحًا أن بناء المستقبل يتطلب تحويل قيم الحوار والمواطنة المشتركة إلى سياسات وممارسات مؤسسية تعزز التفاهم والتماسك الاجتماعي وتواجه الكراهية والتعصب.
الأردن نموذج للعيش المشترك
وقال مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام الأب الدكتور رفعت بدر إن وحدة الأردنيين المسلمين والمسيحيين وشراكتهم تمثل كنز الأردن وركيزة أمنه واستقراره، مؤكدًا أن مسؤولية بناء المستقبل مشتركة بين جميع أبناء الوطن. وأضاف أن المسلمين والمسيحيين لا يمكن النظر إليهم باعتبارهم مكونات منفصلة، بل شركاء في الحاضر والمستقبل، مبينًا أن التآخي والوحدة الوطنية والتضامن بين الأردنيين تمثل أساسًا راسخًا لمواجهة التطرف وتعزيز الاستقرار.
وأكد بدر أهمية إبراز إسهامات المسيحيين في نهضة بلدان الشرق الأوسط ومستقبلها، بالتوازي مع الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام، مشيرًا إلى ما أكده الملك في المحافل الدولية بشأن حماية الوجود المسيحي في موطنه الأصلي والتصدي للصورة المشوهة عن الإسلام. وأوضح أن الأردن يستعد لإحياء ذكرى مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في نهر الأردن عام 2030، داعيًا المشاركين والضيوف إلى أن يكونوا سفراء للأردن، والتعريف بمواقعه الدينية والتاريخية، وتشجيع الحجاج من مختلف أنحاء العالم على زيارته بوصفه بلدًا للأمن والاستقرار والتعايش.
الشتات المسيحي ورهانات البقاء
من جهته، أكد السفير الألماني لدى المملكة الدكتور بيرترام فون مولتكه أن مظاهر التضامن والتآزر التي أظهرها الأردنيون عقب الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في منطقة حمود بمحافظة الكرك تعكس تماسك المجتمع الأردني وقيم العيش المشترك التي جعلت الأردن نموذجًا للتسامح في المنطقة. وشدد مفوض الحكومة الاتحادية الألمانية لحرية الدين أو المعتقد وعضو البرلمان الألماني توماس راهل على ضرورة عدم السماح للكراهية والتطرف بتقويض الثقة بين أتباع الديانات المختلفة، لافتًا إلى تضامن ألمانيا مع الشعب الأردني في مواجهة هذه الظروف، وأهمية الحفاظ على التماسك المجتمعي والعيش المشترك.
وبيّن راهل أن الأردن يمثل مساحة مهمة للحوار بشأن مستقبل مجتمعات الشرق الأوسط، بالنظر إلى الحضور التاريخي للمسيحيين وإسهاماتهم في مختلف المجالات، فضلًا عن دور المملكة في الدبلوماسية الإقليمية وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. ويناقش المشاركون في المؤتمر على مدار يومين محاور عدة، أبرزها مفهوم الشركة والوحدة المسيحية وتجاوز الانقسامات الطائفية، وواقع الشتات المسيحي وتأثيرات الهجرة والاغتراب، وسبل تعزيز التواصل بين الأجيال الشابة في الخارج وأوطانهم الأم، إلى جانب التحديات التي تواجه المسيحيين وآليات تشجيعهم على البقاء والتجذر في أرضهم وتعزيز مساهمتهم في رسم مستقبل بلدانهم من خلال التنمية والإصلاح وبناء شراكة مسيحية إسلامية قائمة على الحوار والمواطنة المشتركة والتعاون من أجل الصالح العام وتعزيز التماسك الاجتماعي.


