تبقى بعض المواقف المليئة بالتوتر حاضرة في الذاكرة لسنوات، بينما تختفي تفاصيل كثيرة من الأيام العادية بسرعة. وتشير أبحاث علم الأعصاب إلى أن هرمون الكورتيزول، الذي يرتفع ضمن استجابة الجسم للضغط النفسي، يمكن أن يؤثر في الطريقة التي تتشكل بها الذكريات، خصوصا عندما تكون التجربة مشحونة عاطفيا.
ولا يعني ذلك أن التوتر يقوي الذاكرة في جميع الظروف. فالأدلة العلمية تظهر صورة أكثر تعقيدا: تأثير الكورتيزول يتغير بحسب توقيت الضغط النفسي وشدته ونوع المعلومات التي يحاول الدماغ حفظها أو استرجاعها. وقد يساعد الضغط الحاد في تثبيت بعض الذكريات العاطفية، بينما يمكن أن يضعف استرجاع معلومات مخزنة سابقا.
كيف يؤثر الكورتيزول في الذاكرة؟
في إحدى التجارب التي استخدمت التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي مع إعطاء الهيدروكورتيزون ضمن تصميم مزدوج التعمية، وجد الباحثون أن الكورتيزول عزز ترميز الارتباطات التي شعر المشاركون بأنها أكثر إثارة عاطفية. كما ارتبط ذلك بزيادة التواصل الوظيفي بين مناطق فرعية داخل الحُصين، وهو جزء أساسي من الدماغ في تكوين الذكريات العرضية.
ولا يعمل الحُصين منفردا. فاللوزة الدماغية تؤدي دورا مهما في منح الأحداث ذات الشحنة العاطفية أولوية أكبر أثناء تكوين الذاكرة، وتتفاعل مع الحُصين ومناطق أخرى عندما يتعرض الإنسان لموقف مثير أو ضاغط. ولهذا قد تبقى تفاصيل تجربة مخيفة أو مؤثرة أكثر رسوخا من أحداث يومية محايدة.
التوتر لا يجعل كل الذكريات أقوى
أظهرت تجارب أخرى أن التعرض للضغط قبل تعلم معلومات جديدة يمكن أن يحسن الذاكرة طويلة المدى للمحتوى العاطفي، لكنه قد يضعف في الوقت نفسه تذكر المعلومات المحايدة. كما رُبط ارتفاع الكورتيزول في بعض التجارب بزيادة الذكريات الخاطئة، ما يعني أن قوة الشعور بذكرى معينة لا تضمن بالضرورة دقة جميع تفاصيلها.
أما التوتر الشديد أو المزمن، فله تأثير مختلف؛ إذ تشير المراجعات العلمية إلى أنه قد يضر بوظائف الحُصين والذاكرة التصريحية، في الوقت الذي يمكن فيه أن تصبح بعض الذكريات العاطفية أو المرتبطة بالخوف أكثر رسوخا.
وبذلك، لا يعمل الكورتيزول ببساطة كـ«مقوٍ للذاكرة»، بل قد يعيد ترتيب ما يمنحه الدماغ الأولوية. وهذا يساعد على تفسير سبب بقاء بعض اللحظات المشحونة بالتوتر واضحة بعد سنوات، بينما يصعب أحيانا استرجاع تفاصيل عادية حدثت في الفترة نفسها.