لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لمشاركة الصور ومقاطع الفيديو والتواصل مع الآخرين، بل أصبحت جزءاً رئيسياً من الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث تتحول تفاعلات المستخدم اليومية إلى بيانات يمكن تحليلها والاستفادة منها تجارياً.
فالتوقف عند مقطع فيديو، أو البحث عن موضوع معين، أو الإعجاب بمنشور، أو متابعة حساب جديد، كلها إشارات تساعد الخوارزميات على فهم اهتمامات المستخدم وتوقع المحتوى الذي قد يجذب انتباهه لاحقاً.
ويستخدم أكثر من 5.7 مليار شخص منصات التواصل عالمياً، بينما يقضي المستخدم النموذجي نحو ساعتين و21 دقيقة يومياً عليها. ومع هذا النشاط الضخم، أصبحت البيانات والانتباه والقدرة على توقع السلوك من أهم العناصر التي يقوم عليها نموذج أعمال العديد من هذه المنصات.
ما البيانات التي تعرفها منصات التواصل عنك؟
لا تقتصر المعلومات التي تجمعها المنصات على البيانات التي يقدمها الشخص عند إنشاء الحساب، مثل الاسم والعمر والبريد الإلكتروني. فهناك مجموعة أوسع من البيانات التقنية والسلوكية التي تتكون مع استمرار الاستخدام.
ومن أبرز المعلومات التي يمكن جمعها:
- الاسم والعمر والبريد الإلكتروني ورقم الهاتف.
- معلومات التعليم والعمل والملف الشخصي.
- نوع الهاتف ونظام التشغيل وعنوان الإنترنت IP.
- الموقع الجغرافي أو التقريبي وفق الأذونات والإعدادات.
- المنشورات والصور ومقاطع الفيديو التي يتفاعل معها المستخدم.
- الصفحات والحسابات التي يتابعها أو يزورها.
- عمليات البحث التي يجريها داخل المنصة.
- الإعلانات التي يشاهدها أو ينقر عليها.
- أوقات الاستخدام ومدة مشاهدة المحتوى.
- أنماط التصفح والتفاعل مع المنشورات ومقاطع الفيديو.
ويمكن تحليل هذه البيانات مجتمعة لبناء صورة أكثر تفصيلاً عن اهتمامات المستخدم وعاداته الرقمية، بدلاً من الاعتماد فقط على المعلومات التي كتبها بنفسه في ملفه الشخصي.
كيف تتحول البيانات إلى أموال؟
أوضح الخبير في مجال الأعمال الإلكترونية أ.د. أحمد غندور أن وصف نموذج عمل المنصات بأنه قائم ببساطة على «بيع بيانات المستخدمين» ليس دقيقاً بالضرورة.
فالعديد من المنصات تعتمد على بيع إمكانية الوصول الإعلاني إلى شرائح معينة من الجمهور استناداً إلى المعلومات والاهتمامات والأنماط السلوكية التي تعرفها أو تستنتجها عن المستخدمين.
وقال غندور: “إن الهدف لا يقتصر على معرفة المستخدم لمجرد المعرفة، ولكن البيانات تساعد المنصة على تحديد المحتوى الذي سيبقيك متفاعلا، ثم تساعدها على معرفة الإعلان الذي يُحتمل أن يستجيب له شخص مثلك. وكلما تحسنت قدرتها على التنبؤ بالسلوك، ارتفعت قيمة خدماتها الإعلانية”.
وبذلك تقوم الدورة الاقتصادية على ثلاث حلقات مترابطة: نشاط المستخدم يولد البيانات، وتحليل البيانات يحسن القدرة على توقع السلوك، ثم تُستخدم هذه القدرة في تخصيص المحتوى وتقديم خدمات إعلانية أكثر استهدافاً.
ولا يقتصر استخدام البيانات على الإعلانات، إذ تستفيد منها المنصات أيضاً في:
- ترتيب المحتوى الذي يظهر لكل مستخدم.
- تحسين خوارزميات التوصية.
- قياس التفاعل مع المنشورات والخدمات.
- اكتشاف الحسابات الوهمية والاحتيال.
- حماية الحسابات ورصد الأنشطة غير الطبيعية.
- تطوير بعض أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي وفق السياسات المعمول بها.
اقتصاد الانتباه.. لماذا تريد المنصات إبقاءك أطول؟
يرى خبير حوكمة البيانات د. حمزة العكاليك أن البيانات الشخصية والسلوكية أصبحت عنصراً رئيسياً في نموذج «اقتصاد الانتباه»، حيث ترتبط قيمة المنصة بقدرتها على جذب المستخدم والحفاظ على تفاعله.
وتساعد تفاصيل صغيرة، مثل مدة التوقف أمام منشور أو مقطع فيديو وسرعة التمرير وكلمات البحث والحسابات التي تتم زيارتها، في تحسين فهم تفضيلات المستخدم.
كما يمكن أن يمتد جمع البيانات خارج التطبيق نفسه عبر أدوات تقنية مثل ملفات تعريف الارتباط «Cookies» وحزم تطوير البرمجيات «SDKs» وأدوات التتبع المدمجة في مواقع أو تطبيقات أخرى.
وأشار العكاليك إلى أن الشركات تجمع البيانات لأهداف تجارية وتقنية متعددة، أبرزها الإعلانات الموجهة وتحسين أنظمة التوصية ورفع مستوى التفاعل، إضافة إلى اكتشاف الاحتيال وتعزيز أمن المنصات.
كما دخل الذكاء الاصطناعي إلى هذه المعادلة، إذ تستخدم بعض الشركات النصوص والصور والمقاطع والبيانات المتاحة وفق سياساتها في تطوير نماذج وتقنيات جديدة، وهو ما زاد النقاش حول الشفافية والموافقة على استخدام المحتوى.
ما المخاطر التي تواجه المستخدمين؟
كلما اتسعت كمية المعلومات التي تجمع عن المستخدم، ازدادت أهمية حماية هذه البيانات. وتشمل المخاطر المرتبطة بالبيئة الرقمية تسريب المعلومات وسرقة الهوية والاحتيال والتتبع والتنميط والاستهداف الدقيق.
ومن أبرز المخاطر التي أشار إليها الخبراء:
- فقدان جزء من الخصوصية نتيجة التتبع المستمر.
- تتبع النشاط عبر مواقع وتطبيقات مختلفة.
- تسريب البيانات الشخصية أو إساءة استخدامها.
- سرقة الهوية والاحتيال الإلكتروني.
- بناء ملفات سلوكية دقيقة عن المستخدم.
- التلاعب بالانتباه وزيادة الوقت الذي يقضيه الشخص أمام الشاشة.
- انتشار المعلومات المضللة وفقاعات المحتوى.
- مخاطر إضافية على الأطفال واليافعين.
وأوضح الخبير في التحول الرقمي وريادة الأعمال هاني البطش أن المشكلة ليست في استخدام منصات التواصل بحد ذاته، وإنما في تحقيق توازن بين الاستفادة من خدماتها وحماية الخصوصية والأمن الرقمي.
خطوات تساعد على حماية بياناتك
لا تتطلب مواجهة هذه المخاطر الانسحاب الكامل من شبكات التواصل، بل يمكن تقليل كمية البيانات المكشوفة ورفع مستوى أمان الحسابات من خلال عدد من الإجراءات العملية.
وتشمل أبرز الخطوات:
- مراجعة إعدادات الخصوصية بصورة دورية.
- تعطيل أذونات الموقع والكاميرا والميكروفون عندما لا تكون ضرورية.
- تقليل صلاحيات التطبيقات المرتبطة بالحساب.
- استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة لكل حساب.
- تفعيل المصادقة متعددة العوامل.
- تجنب نشر الوثائق الرسمية والمعلومات البنكية.
- الحذر من الروابط والرسائل المشبوهة.
- تجنب مشاركة الموقع المباشر وتفاصيل السفر دون حاجة.
- حذف التطبيقات المرتبطة بالحساب التي لم تعد مستخدمة.
- مراجعة المنشورات القديمة وتقليل الأثر الرقمي عند الحاجة.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات بالنسبة للأطفال واليافعين، إذ ينصح بالاستفادة من أدوات الإشراف العائلي وإدارة أوقات الشاشة، إلى جانب توعيتهم بعدم مشاركة البيانات الشخصية أو الموقع الحقيقي أو الدخول في محادثات خاصة مع الغرباء.
حماية الخصوصية مسؤولية مشتركة
لا تقع مسؤولية حماية البيانات على المستخدم وحده. فالشركات التقنية مطالبة بتوفير خيارات واضحة للخصوصية والشفافية بشأن كيفية جمع المعلومات واستخدامها، فيما تلعب الجهات التنظيمية دوراً في وضع القواعد التي تحمي الحقوق الرقمية.
وأكد العكاليك أهمية تطبيق قوانين حماية البيانات ومبدأ تقليل جمع المعلومات، إلى جانب تبني مفهوم «الخصوصية منذ التصميم»، بحيث تكون مستويات الحماية المرتفعة جزءاً أساسياً من الخدمة منذ البداية.
كما تزداد أهمية الشفافية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية استخدام محتوى المستخدمين وبياناتهم في تطوير النماذج والتقنيات الجديدة.
ويرى البطش أن البيانات الشخصية يجب التعامل معها باعتبارها أصلاً رقمياً ذا قيمة، وأن بناء اقتصاد رقمي مستدام يتطلب الجمع بين الابتكار والثقة.
وبينما ستواصل البيانات لعب دور محوري في الإعلانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، يبقى التحدي الأساسي في الاستفادة من هذه التقنيات دون أن تتحول خصوصية الإنسان إلى ثمن إلزامي للحصول على الخدمات التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.