قد يبدو الشخص القادر على الضحك على أخطائه أكثر ثقة وراحة في التعامل مع الآخرين، لكن السخرية من الذات ليست إيجابية في جميع الحالات. فالفرق كبير بين مزحة تساعد الإنسان على تقبل خطأ عابر، وبين تحويل الفكاهة إلى وسيلة متكررة لانتقاد النفس والتقليل من قيمتها أمام الآخرين.
وأظهرت دراسة تجريبية منشورة عام 2011 أن البشر قادرون بالفعل على الضحك على أنفسهم. وخلال التجربة عُرضت على المشاركين صور مشوهة لوجوههم، وسُجلت استجابات تراوحت بين الابتسام والضحك، ما وفر دليلاً تجريبياً على وجود هذه القدرة.
وتشير الأبحاث المتعلقة بأنماط الفكاهة إلى أن طريقة استخدام المزاح أهم من مجرد وجوده. فالفكاهة التي تساعد الشخص على التعامل مع الضغوط والحفاظ على نظرة أكثر مرونة ترتبط بمؤشرات أفضل للرفاه النفسي، بينما ترتبط الفكاهة القائمة على التقليل المستمر من الذات بانخفاض تقدير النفس وبعض المؤشرات النفسية السلبية.
متى تتحول السخرية من الذات إلى مشكلة؟
يمكن أن يقول شخص بعد خطأ بسيط: «حسناً، لقد أفسدت الأمر هذه المرة»، ثم يتجاوزه ويواصل يومه بصورة طبيعية. هنا تكون المزحة وسيلة لتخفيف التوتر، وليست حكماً على شخصيته أو قدراته.
لكن الأمر يختلف عندما تصبح عبارات مثل «أنا دائماً أفشل» أو «لا أجيد فعل أي شيء» الأسلوب المعتاد للمزاح. فالدراسات وجدت ارتباطاً بين الفكاهة التي تقوم على الانتقاص من الذات وانخفاض تقدير النفس، بينما ارتبطت الفكاهة الداعمة للذات بصورة إيجابية بتقدير النفس والرفاه النفسي.
ولهذا يمكن النظر إلى ما يحدث بعد المزحة: هل خففت الإحراج وساعدت على تجاوز الموقف، أم تركت شعوراً بالخجل وعززت فكرة سلبية موجودة مسبقاً عن النفس؟ كما أن توجيه معظم النكات باستمرار ضد الذات قد يكون مؤشراً مختلفاً عن استخدام السخرية من النفس أحياناً ضمن أساليب متنوعة من الفكاهة.
الخوف من ضحك الآخرين يعمل بطريقة مختلفة
هناك أيضاً ما يُعرف بـ«الجيلوتوفوبيا»، أي الخوف من أن يكون الشخص موضع سخرية الآخرين. وقد يدفع هذا الخوف الإنسان إلى تفسير ضحكات لا علاقة لها به باعتبارها موجهة ضده، مع زيادة الحساسية تجاه المواقف التي يمكن أن يشعر فيها بالإحراج.
وأظهرت دراسات وجود علاقة بين الخوف من التعرض للضحك وانخفاض تقدير الذات، كما ارتبط بدرجات أقل من بعض أنماط الفكاهة الإيجابية.
لذلك لا يعني تعلم السخرية من الذات إجبار الشخص على إهانة نفسه أمام الآخرين. البداية الأكثر توازناً هي تقبل إمكانية الوقوع في الخطأ من دون تحويل موقف واحد إلى تقييم شامل للشخصية.
فالقول: «كان الموقف مضحكاً، وسأتصرف بطريقة مختلفة في المرة المقبلة» يختلف جذرياً عن اعتبار الخطأ دليلاً على الفشل أو انعدام الكفاءة. وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل جعلتك المزحة تتعامل مع الموقف بخفة أكبر، أم جعلتك تنظر إلى نفسك بقسوة أكبر؟ الإجابة تساعد على التمييز بين فكاهة تدعم تقدير الذات وأخرى قد تضعفه.