الرئيسيةاقتصاد وأعمالفوز الديمقراطيين المحتمل في أميركا وأثره على اقتصاد الأردن

فوز الديمقراطيين المحتمل في أميركا وأثره على اقتصاد الأردن

تتجه الأنظار إلى انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وما قد تفرزه من توازن سياسي جديد في واشنطن. وإذا نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، فسيجد الرئيس دونالد ترامب نفسه أمام كونغرس معارض في العامين الأخيرين من ولايته، وهو سيناريو يختبر أجندته الاقتصادية القائمة على الرسوم الجمركية والتخفيضات الضريبية والحوافز الاستثمارية والإنفاق الحكومي. ولا تقف أهمية هذا التحول عند حدود السياسة الداخلية، بل تمتد إلى الأسواق العالمية وإلى اقتصادات شريكة لواشنطن، بينها الأردن، الذي يتأثر بأسعار الطاقة والسلع وسعر صرف الدولار وحركة التجارة والاستثمار.

أجندتان اقتصاديتان على طرفي نقيض

يتبنى الجمهوريون بقيادة ترامب رؤية تقوم على خفض الضرائب عن الشركات والأفراد، وتشجيع الاستثمار والإنتاج المحلي، واستخدام الرسوم الجمركية لحماية الصناعة الأميركية والضغط على الشركاء التجاريين. وترى هذه الرؤية أن تخفيف الأعباء الضريبية يمنح الشركات والمستثمرين قدرة أكبر على التوسع وزيادة الإنتاج وتوفير الوظائف، وأن الرسوم الجمركية تساعد على إعادة المصانع إلى الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد على الواردات، خصوصاً من الصين.

في المقابل، يميل الديمقراطيون إلى زيادة الضرائب على الشركات الكبرى وأصحاب الدخول المرتفعة، وتخفيف الرسوم الجمركية التي ترفع أسعار السلع، وتوسيع الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية، وتقديم مزايا ضريبية للطبقة المتوسطة. ويستند هذا التوجه إلى أن تحميل الشركات الكبرى وأصحاب الثروات حصة أكبر من الضرائب يوفر إيرادات لتمويل الخدمات العامة ويخفف الأعباء عن الأسر متوسطة ومحدودة الدخل. وبذلك لا يقتصر الخلاف بين الحزبين على معدلات الضرائب أو حجم الرسوم، بل يتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي ينبغي أن تتبناه الولايات المتحدة في السنوات المقبلة.

وتعد الرسوم الجمركية أولى جبهات المواجهة المحتملة بين الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون وإدارة ترامب. فقد اعتمدت الإدارة على الرسوم أداة لحماية الإنتاج المحلي والضغط على الدول المنافسة وإعادة تشكيل العلاقات التجارية. لكن الديمقراطيين يرون أن كلفة الرسوم الواسعة لا يتحملها المصدر الأجنبي وحده، بل ينتقل جزء منها إلى المستوردين والشركات والمستهلكين الأميركيين، ما يرفع تكاليف الإنتاج وأسعار بعض السلع. ومن المتوقع أن يستخدم الديمقراطيون سيطرتهم على الكونغرس للضغط باتجاه مراجعة هذه الرسوم أو تقييد الصلاحيات التي استخدمتها الإدارة لفرضها، وهو ما قد ينعكس على قطاعات مثل تجارة التجزئة والسيارات والصناعات التي تعتمد على المواد الخام والمكونات المستوردة. واقتصادياً، يمكن أن يسهم تخفيف الرسوم في تقليل تكاليف الاستيراد والإنتاج وتهدئة الضغوط التضخمية، لكن الأثر لن يكون فورياً بسبب ارتباط الأسعار بالمخزون والعقود وهوامش أرباح الشركات. كما أن إلغاء السياسة الجمركية بالكامل ليس سهلاً، إذ يحتفظ ترامب بصلاحيات تنفيذية واسعة في المجال التجاري ويمكنه استخدام أسس قانونية أخرى لفرض رسوم جديدة.

ويمثل الملف الضريبي محوراً رئيسياً آخر للمساومات التشريعية. فالجمهوريون يسعون إلى المحافظة على التخفيضات الضريبية وتوسيع الحوافز المقدمة للشركات والمستثمرين باعتبارها وسيلة لتحفيز النشاط والاستثمار والتوظيف. أما الديمقراطيون فيتجهون إلى زيادة الضرائب على الشركات الكبرى وأصحاب الدخول والثروات المرتفعة، مع توفير إعفاءات ومزايا للطبقة المتوسطة والأسر الأقل دخلاً. ومن شأن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس أن تجعل تمرير تخفيضات ضريبية جمهورية جديدة أكثر صعوبة، وأن تمنحهم قدرة أكبر على طرح مشروعات تستهدف زيادة مساهمة الشركات والأثرياء في الإيرادات الحكومية. لكن ذلك لا يعني أن الزيادات الضريبية ستصبح واقعاً تلقائياً، لأن ترامب يستطيع استخدام حق النقض ضد التشريعات التي لا تحظى بموافقته، ما قد يدخل الولايات المتحدة مرحلة من الجمود التشريعي في هذا الملف.

ويبقى التضخم وتراجع القدرة الشرائية من أبرز العوامل التي شكّلت المزاج الانتخابي الأميركي، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسكن. وقد يؤدي تخفيف الرسوم الجمركية إلى تقليل تكاليف بعض السلع والمواد الخام، ما يساعد على تخفيف الضغوط التضخمية، لكن هذا الأثر لن يكون فورياً، كما أن التضخم لا يرتبط بالرسوم وحدها، بل يتأثر بأسعار الطاقة والأجور والطلب المحلي والسياسة النقدية. أما التغييرات الضريبية فقد يكون لها تأثير مزدوج؛ إذ يدعم تخفيف الضرائب على الأسر الاستهلاك، بينما قد تؤثر زيادة الضرائب على الشركات في الاستثمار والتوظيف إذا لم تقابلها حوافز أو فرص إنتاجية كافية. وعليه، فإن اتجاه التضخم خلال المرحلة المقبلة سيعتمد على مدى التوازن بين السياسات التجارية والضريبية والمالية.

ويطرح الدين العام والعجز المالي اختباراً صعباً على الكونغرس الجديد، وقد يفرض نفسه بقوة خلال عام 2027. فالجمهوريون يميلون إلى تخفيض الضرائب، وهو ما قد يقلل الإيرادات الحكومية ما لم يقابله نمو اقتصادي أو خفض للإنفاق، بينما يدعو الديمقراطيون إلى زيادة الإيرادات الضريبية لكنهم يتبنون في الوقت نفسه برامج إنفاق حكومي أوسع. لذلك فإن فوز الديمقراطيين لا يعني بالضرورة انخفاض العجز أو الدين العام، إذ تعتمد النتيجة على حجم الزيادة في الإيرادات مقارنة بالإنفاق الجديد. وقد تتحول مفاوضات الموازنة وسقف الدين إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين الكونغرس والبيت الأبيض، وفي حال تعثر الاتفاقات المالية قد تتزايد مخاطر الإغلاق الحكومي أو تأخر إقرار التمويل، بما ينعكس سلباً على ثقة المستثمرين وسوق السندات الأميركية.

ويعد قطاع التكنولوجيا من القطاعات التي قد تتأثر بالتحول السياسي، خصوصاً شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والمنصات الرقمية الكبرى. فالديمقراطيون يميلون إلى توسيع الرقابة على الشركات الكبيرة، ومراجعة بعض الممارسات المرتبطة بالمنافسة وحماية المستهلك واستهلاك الطاقة والتعامل مع البيانات. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التدقيق في الاستثمارات الضخمة بمراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي، من دون أن يعني بالضرورة وقف التوسع في القطاع، لكنه يضيف اعتبارات تنظيمية وتشريعية جديدة أمام الشركات والمستثمرين.

الأردن والدولار والطاقة في مرمى التغيير

بدأت الأسواق المالية في التعامل مع احتمالات التحول السياسي، في ظل مخاوف من زيادة الرقابة على الشركات الكبرى، خصوصاً شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، واحتمالات تعثر بعض السياسات المالية والتشريعية. كما أن أي تراجع في قيمة الدولار قد يرتبط بتغير توقعات المستثمرين بشأن النمو الاقتصادي الأميركي والسياسة المالية والعوائد المستقبلية. لكن من المبكر اعتبار هذه التحركات بداية لاتجاه طويل الأجل، إذ تبقى أسعار الفائدة وأداء الاقتصاد الأميركي والتطورات العالمية عوامل أساسية في تحديد اتجاه الأسواق.

ولن تتوقف انعكاسات التحول السياسي الأميركي عند حدود الولايات المتحدة، بل قد تمتد إلى التجارة العالمية وأسواق الطاقة والعملات والاستثمار. فإذا نجح الديمقراطيون في تخفيف بعض الرسوم الجمركية، فقد تستفيد الاقتصادات المرتبطة تجارياً بالسوق الأميركية، خصوصاً كندا والمكسيك وبعض الاقتصادات الأوروبية والآسيوية. أما الصين، فمن غير المتوقع أن تنتهي خلافاتها التجارية والتكنولوجية مع واشنطن بمجرد تغير السيطرة على الكونغرس، لأن المنافسة بين البلدين تتجاوز الرسوم الجمركية إلى أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والأمن التكنولوجي.

وبالنسبة للأردن، فإن أي تغير مستمر في قيمة الدولار أو أسعار الطاقة والسلع العالمية ستكون له انعكاسات على تكاليف الاستيراد والتنافسية التجارية والتحويلات والاستثمار. ومع ارتباط الدينار الأردني بالدولار، فإن تراجع الدولار أمام العملات الرئيسية لا يعني تغير سعر صرف الدينار مقابله، لكنه قد يؤثر في أسعار الواردات من أوروبا وآسيا وفي البيئة التجارية الخارجية للمملكة. كما أن أي تراجع في أسعار النفط نتيجة تباطؤ الطلب العالمي قد يخفف فاتورة الطاقة على الدول المستوردة، بينما يضغط على إيرادات الدول المصدرة للنفط.

وتضع هذه التطورات الولايات المتحدة أمام مرحلة من التوازن السياسي الصعب، إذ يحتفظ ترامب بالسلطة التنفيذية وحق النقض الرئاسي، بينما يسيطر الديمقراطيون على الكونغرس وأدواته التشريعية والرقابية. وهذا يعني أن تنفيذ أجندة ترامب الاقتصادية سيصبح أكثر تعقيداً، خصوصاً في الملفات التي تحتاج إلى تشريعات أو موافقات مالية. وبالنسبة للأردن، سيبقى التأثير مرتبطاً بقنوات غير مباشرة أبرزها سعر صرف الدولار وأسعار الطاقة والسلع وتدفقات التجارة والاستثمار والتحويلات، في ظل ترقب لنتائج الانتخابات وما بعدها.

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب
أحمد الحاتب — صحفي ومحلل يتمتع بخبرة تزيد عن 12 عامًا، عمل مع كبرى وسائل الإعلام في الأردن والعالم. يتخصص في التحليل والتغطية الصحفية والتحقيقات في مجالات الأخبار والثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا، مما يعزز مكانة موقع jonews24.
مقالات ذات صلة

الأكثر شعبية

التعليقات الأخيرة