قبل عقود قليلة فقط، كان الاعتقاد السائد أن دماغ الإنسان بعد البلوغ يصبح ثابتًا وغير قابل للتغيير. لكن الاكتشافات العلمية الحديثة قلبت هذه الفكرة رأسًا على عقب، إذ أثبتت الدراسات أن الدماغ قادر على التكيّف طوال الحياة، وتكوين روابط عصبية جديدة، وإعادة تنظيم نفسه حسب التجارب والظروف المختلفة.
هذه القدرة تُعرف باسم اللدونة العصبية، وهي التي تسمح لنا بتغيير ردود أفعالنا، وتعديل عاداتنا، وتطوير طرق تفكير جديدة.
ما هي اللدونة العصبية وكيف تعمل؟
اللدونة العصبية هي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل شبكاته العصبية استجابةً لتجارب جديدة أو تعلم مهارات مختلفة أو التكيف مع صدمات وتغيرات بيئية. وهذا يعني أن أنماط التفكير، والمشاعر، والسلوكيات ليست ثوابت لا تتغير.
عندما نكرر فكرة أو سلوكًا معينًا، تنشط مجموعة محددة من الخلايا العصبية، وتقوى الروابط بينها بمرور الوقت. ولذلك تبقى القاعدة الشهيرة صحيحة: الخلايا العصبية التي تنشط معًا، ترتبط معًا.
وكلما زادت الممارسة، أصبح المسار العصبي أقوى، مما يجعل السلوك يتحول إلى عادة تلقائية.
كيف تؤثر اللدونة العصبية على مشاعرنا؟
الكثير من ردود أفعالنا العاطفية السريعة تحدث نتيجة ارتباطات عصبية تشكّلت عبر الزمن. فعلى سبيل المثال، إذا كان الشخص يعتاد الشعور بالقلق عند المواجهة أو الانتقاد، فهذا ناتج من خبرات سابقة تعززت مع الوقت.
الجانب الإيجابي هو أن هذه الأنماط يمكن تغييرها. فالعلاج النفسي، التأمل، تمارين التنفس، أو تغيير المعتقدات الداخلية، كلها ممارسات قادرة على إعادة تشكيل المسارات العصبية بحيث تصبح الاستجابات أكثر هدوءًا ومرونة.
هل يتغير الدماغ في سنّ الرشد؟
رغم أن اللدونة العصبية تبلغ ذروتها في الطفولة، فإن دماغ البالغ يظل قادرًا على التغير والتطور، خصوصًا أثناء التعلم، العلاج، تطوير المهارات، والتجارب الحياتية الجديدة.
وتشير أبحاث عديدة إلى أن التأمل والرياضة والنشاط الذهني المستمر قادرون على إحداث تغيرات ملموسة في تركيب الدماغ ووظائفه حتى في مراحل متقدمة من العمر.
كيف تصنع العادات مسارات عصبية جديدة؟
عند محاولة بناء عادة جديدة — مثل الالتزام بوقت نوم منتظم، أو تبني سلوك هادئ في المواقف الصعبة — يواجه الدماغ مقاومة في البداية بسبب قوة المسارات القديمة. ومع التكرار، تبدأ هذه المسارات بالضعف تدريجيًا، بينما تقوى المسارات الجديدة.
العادات ليست سوى عملية لدونة عصبية مستمرة تعتمد على الاستمرارية أكثر من القوة أو الحماس الأولي.
تأثير الضغط النفسي والصدمات على الدماغ
الإجهاد المزمن أو الصدمات، خاصة في مرحلة الطفولة، قد تُعيد تشكيل الدماغ بطرق تعزز نمط “القتال أو الهروب”، فتزيد الاستجابات الخوفية بينما تضعف المناطق المسؤولة عن التفكير والتحكم.
ومع ذلك، يمتلك الدماغ قدرة على الشفاء وإعادة التوازن. فالعلاج النفسي، والدعم الاجتماعي، والانخراط في تجارب آمنة، كلها تساعد على إعادة بناء الروابط العصبية وتحسين التنظيم العاطفي.
كيف يمكننا التأثير في أدمغتنا بوعي؟
بما أن الدماغ يتغير بناءً على ما نفعله ونفكر به، يمكن توجيه هذا التغيير من خلال ممارسات يومية بسيطة تدعم الصحة العاطفية وتُقوّي الروابط الجديدة.
:ممارسات يومية تعزز اللدونة العصبية
- تدريب الوعي الذهني وملاحظة الأفكار دون حكم.
- تعلّم مهارات جديدة مثل اللغات أو الموسيقى.
- ممارسة الرياضة بانتظام لتحفيز نمو الخلايا العصبية.
- الحفاظ على نوم جيد يثبت الروابط الجديدة.
- ممارسة التفكير الإيجابي لإعادة تفسير المواقف.
السر الحقيقي في التغيير هو الاستمرارية. فحتى الخطوات الصغيرة إذا تكررت يوميًا تكون قادرة على إعادة تشكيل الدماغ، وتغيير ردود الفعل، وتحسين النظرة للذات وللعالم.