في ظل الأمواج المتلاطمة من التغييرات التي تعصف بسوق العمل على مستوى العالم، يظهر الاعتماد على التكنولوجيا وتقنيات الذكاء الاصطناعي كعنصر حاسم ومفصلي في إعادة رسم خريطة المهن وتحديث أنماط التوظيف والتشغيل.
ويتفق طيف واسع من الخبراء في مجالات العمل، والاتصالات، وحقوق العمال، على أن التوجه نحو الاستثمار في الأنظمة الرقمية المتقدمة وتحليل البيانات الضخمة لم يعد مجرد خيار ترفيهي، بل أضحى ضرورة استراتيجية ملحة. وتكمن أهمية هذا التوجه في قدرته على:
- إحكام وتحسين آليات الرقابة.
- رفع كفاءة وفاعلية برامج التشغيل.
- ابتكار منصات تدريبية متطورة تلبي احتياجات الاقتصاد الرقمي المتنامي.
كما يرى المختصون أن التحول نحو أنماط العمل الحديثة لا يحمل بالضرورة نذير شؤم بارتفاع معدلات البطالة، بل على العكس، قد يشرع الأبواب أمام ظهور مهن مبتكرة تتطلب مهارات نوعية، شريطة توفر ثلاثة عناصر أساسية:
- جاهزية البنية التشريعية.
- تدريب وتأهيل القوى العاملة.
- استعداد المؤسسات لتبني هذه التقنيات الحديثة.
كما شددوا على الدور المحوري للنقابات في تحديث لوائحها وأنظمتها لضمان مظلة حماية للعاملين في الوظائف المستحدثة، وتأمين انتقال سلس وآمن نحو مستقبل مهني يتسم بتغيرات متسارعة.
توجهات وزارة العمل الرسمية وفي هذا السياق، أوضح وزير العمل، الدكتور خالد البكار، الموقف الرسمي والخطط المستقبلية للوزارة، حيث أكد أن: “الوزارة تتجه بقوة نحو توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في متابعة بيانات السوق، وتحسين إجراءات التشغيل والرقابة، وتطوير منصات تدريب ذكية من شأنها رفع جودة البرامج التدريبية”.
وأضاف البكار مبيناً الأهداف الاستراتيجية لهذا التحول، قائلاً إن: “الاستثمار في التكنولوجيا بات محورًا أساسيًا في استراتيجية الوزارة، بهدف مواءمة مخرجات القوى العاملة مع متطلبات الاقتصاد الرقمي وتسريع جاهزيتها لمهن المستقبل”.
إعادة تشكيل خريطة المهن من زاوية حقوقية، يرى الناشط في مجال حقوق العمال، حاتم قطيش، أن الوتيرة المتسارعة لدمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ستؤدي حتماً إلى تغيير جذري في خريطة سوق العمل، مما سيعيد تشكيل مستقبل الوظائف عبر اندثار أشكال تقليدية للعمل وبزوغ أخرى جديدة.
وبين قطيش أن دخول التكنولوجيا لا يعني حتمية ارتفاع البطالة إذا ما أُديرت المرحلة بذكاء، فالمهن الجديدة ستخلق فرصاً واعدة تتطلب مهارات وأيدٍ عاملة مدربة. ولتحقيق ذلك، حدد قطيش جملة من المتطلبات:
- مبادرة الحكومة لتجويد التشريعات بما يضمن حماية العمال.
- قيام أصحاب العمل بالاستثمار في تدريب عمالهم الحاليين على المهارات المستجدة.
- تطوير النقابات العمالية لأنظمتها لاستيعاب العاملين في المهن الجديدة وضمان حقهم في الانتساب، وإبرام عقود عمل جماعية تضمن “انتقالاً آمناً” نحو مستقبل العمل.
“المعلومة تعني القوة” على صعيد البنية التقنية، ربط وزير الاتصالات الأسبق، مروان جمعة، نجاح وزارة العمل في مسعاها بضرورة امتلاك بيانات دقيقة وشاملة، مشيراً بوضوح إلى مبدأ أن “المعلومة تعني القوة”.
وأوضح جمعة أن التوجه نحو الذكاء الاصطناعي يمثل ارتقاءً لمرحلة متقدمة من “تفكير البيانات” وتحليلها، وهو ما يضمن دقة الأرقام والمعادلات التي تستند إليها القرارات. وشدد على أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في صياغة القرارات المستقبلية هو “خيار سليم ومطلوب”، لكونه يرتكز على أسس علمية صلبة تدعم صانع القرار.
خطوة إيجابية نحو التطوير من جهته، أكد رئيس “بيت العمال”، حمادة أبو نجمة، دعم المؤسسة للتوسع في تبني التكنولوجيا وأنماط العمل الحديثة، واصفاً أي تحرك في هذا الاتجاه بأنه خطوة إيجابية.
وأضاف أبو نجمة أن إدخال التكنولوجيا يشكل تطوراً محورياً يشمل مجالات متعددة:
- تنظيم العمل.
- عمليات التدريب.
- برامج التشغيل.
واختتم بالتأكيد على ضرورة تأهيل العمال للتعامل مع هذه التقنيات، وتحفيز المؤسسات على الاستثمار فيها، لما لذلك من أثر مباشر في رفع كفاءة سوق العمل وتحسين بيئته العامة.