عمان- تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تنخفض المساعدات الإنمائية الرسمية عالميا بنسبة 6.9% خلال عام 2026، لتبلغ نحو 152 مليار دولار وفق الأسعار الثابتة لعام 2024، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2014، بعد انكماشها بنسبة 23.3% خلال عام 2025.
وقال خبراء اقتصاديون إن التغيرات في توجهات المانحين تستدعي تطوير آليات التعاون التنموي، وعدم حصر الخيارات في المنح التقليدية، بل توسيع الاستفادة من التمويل الميسر والضمانات والاستثمار المشترك والشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع مراعاة طبيعة كل مشروع وقدرته على تحقيق عوائد اقتصادية وتنموية.
وأضاف الخبراء أن استقطاب التمويل يرتبط بمدى جاهزية المشروعات الوطنية ووضوح جدواها، ما يستدعي إعداد محفظة من المشروعات ذات الأولوية تستند إلى دراسات جدوى وتقييم للمخاطر ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وتنسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي واهتمامات الشركاء الدوليين، لا سيما في قطاعات المياه والطاقة النظيفة والصناعة والتحول الرقمي والتشغيل.
وأشاروا إلى أهمية توجيه الموارد نحو مشروعات تعزز الإنتاجية والصادرات وتخفض كلف الإنتاج وتوفر فرص عمل مستدامة، مع الحفاظ على المنح المخصصة للخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية، وعدم اللجوء إلى القروض بديلا عن المنح دون تقييم آثارها على المديونية والقدرة على السداد.
وعلى الصعيد الوطني، لم تنشر تحديثات إحصائية رسمية شاملة عن حجم المساعدات الخارجية المقدمة للأردن منذ المعطيات التي أعلنتها وزارة التخطيط والتعاون الدولي بشأن الفترة الممتدة من كانون الثاني وحتى نهاية تموز 2024، والتي أظهرت بلوغ قيمة المنح والقروض الميسرة الملتزم بها والموقعة نحو 1.465 مليار دينار.
وفي نهاية تشرين الأول 2025، ذكر تقرير أعمال الحكومة «عام من العمل» أن إجمالي المساعدات الخارجية من المنح والقروض الميسرة الملتزم بها والموقعة خلال الفترة من أيلول 2024 وحتى نهاية أيلول 2025 بلغ نحو 5 مليارات دولار، دون أن تتوافر لاحقا بيانات إحصائية رسمية جديدة توضح تطورات إجمالي هذه المساعدات. وكان تحليل سابق لـ«الغد» قد أظهر تجاوز إجمالي المنح والمساعدات التي حصل عليها الأردن خلال الفترة بين عامي 2013 و2023 حاجز 35 مليار دولار.
من جانبه، قال وزير التخطيط الأسبق وسام الربضي إن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم تنعكس على الموارد المتاحة وأولويات تخصيصها، بما يؤثر في المساعدات المقدمة للدول المستفيدة، الأمر الذي يستدعي التعامل مع هذه المتغيرات من خلال تطوير آليات التعاون التنموي وتحسين توظيف التمويلات المتاحة.
وأكد الربضي أهمية الانتقال نحو نماذج تمويلية أكثر تنوعا تتيح استقطاب استثمارات القطاع الخاص والمساهمة في تمويل المشروعات التنموية، مشيرا إلى أهمية التمويل المدمج الذي يجمع بين المنح والتمويل الميسر والاستثمارات، بما يساعد على الحد من المخاطر التي قد تواجه المستثمرين ويشجعهم على المشاركة في تنفيذ المشروعات. وقال إن هذا النهج يمكن توظيفه في مشروعات تتطلب تمويلات كبيرة، مثل مشروعات الصرف الصحي.
وفيما يتعلق بقدرة الأردن على الحفاظ على تدفقات المساعدات في ظل التغيرات الدولية، أشار الربضي إلى أهمية الدبلوماسية الأردنية والعلاقات التي تربط المملكة بشركائها الدوليين، لافتا إلى دور جلالة الملك في تعزيز مكانة الأردن على المستوى الدولي. وقال إن تراجع المساعدات على المستوى العالمي لا يعني بالضرورة انقطاعها عن الأردن في ظل استمرار العلاقات والشراكات الدولية.
وتناول الربضي أهمية مؤتمر الاستثمار الأوروبي المرتقب في تعزيز فرص الاستثمار والشراكات الاقتصادية، مشددا على ضرورة التعامل مع المنح والتمويل الميسر والاستثمارات باعتبارها أدوات متكاملة ضمن منظومة التمويل التنموي.
وقالت ريم بدران، عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني، إن الأردن يمتلك فرصا لتعزيز شراكاته التنموية وتطوير أدوات تعامله مع التحولات في المساعدات الإنمائية الدولية، من خلال البناء على أولوياته الاقتصادية وتوسيع مجالات التعاون مع الشركاء الدوليين.
وأضافت أن التوافق بين الأولويات الوطنية واهتمامات الشركاء الدوليين يشكل قاعدة مهمة لتوسيع فرص التمويل، لا سيما في قطاعات الصناعة والتصدير والطاقة النظيفة والمياه والاقتصاد الرقمي والتشغيل، التي تتقاطع مع عدد من مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي وإطار الشراكة مع البنك الدولي في الأردن.
وأشارت إلى أن تعظيم الاستفادة من هذا التقاطع يتطلب تطوير مشروعات جاهزة للتنفيذ تستند إلى دراسات جدوى واضحة ومخاطر مدروسة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، إلى جانب تصميم نماذج تمويل تتناسب مع طبيعة كل قطاع واحتياجاته، مع استمرار الاهتمام بتمويل الخدمات العامة التي لا تقوم على الربحية التجارية وحدها.
وأوضحت بدران أهمية الجمع بين المنح والتمويل الميسر والضمانات والاستثمار المشترك والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وقالت إن المنح يمكن أن تسهم في تمويل الدراسات والمنافع العامة وبناء القدرات، فيما تساعد الضمانات والتمويل المختلط على تشجيع مشاركة القطاع الخاص في المشروعات المؤهلة من خلال الحد من المخاطر المرتبطة بها.
ولفتت إلى أهمية إعداد محفظة وطنية للمشروعات ذات الأولوية تتضمن دراسات الجدوى والاحتياجات التمويلية والمخاطر والعوائد المتوقعة، وتصنيف المشروعات بحسب قابليتها للاستثمار التجاري أو حاجتها إلى التمويل الميسر أو التمويل المختلط، بما يساعد على تحديد الأداة التمويلية الأنسب لكل مشروع.
وقال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية في الأردن أحمد عوض إن التحولات في أولويات الإنفاق لدى الدول المانحة تفرض على الأردن تطوير مقاربته للتعاون التنموي، بما يراعي الضغوط المالية وتصاعد الإنفاق الدفاعي وتزايد ارتباط التمويل بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية للدول الممولة.
وأشار عوض إلى أن تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 23.1% بالقيمة الحقيقية خلال عام 2025، وفق البيانات الأولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يعكس تحولا في بيئة التمويل الدولي يستدعي التعامل معه من خلال خطط واقعية تأخذ في الاعتبار احتمالات استمرار التراجع.
وأوضح أن الأردن يحتاج إلى تعزيز قدرته على إدارة التعاون التنموي وفق سيناريوهات متعددة، وتنويع الشركاء، والسعي إلى اتفاقيات تمويل متعددة السنوات، مع التمييز بين التعهدات المالية والمبالغ المصروفة فعليا، وبين المنح والقروض والاستثمارات.
وأكد أهمية تنويع أدوات التمويل من خلال الاستفادة من التمويل الميسر والاستثمار المشترك والضمانات والتمويل المناخي، مع اختيار الأداة الأنسب لطبيعة كل مشروع وتقييم تكلفتها ومخاطرها والتزاماتها المستقبلية، مشددا على أن تقليل الاعتماد على المنح يجب أن يرتبط بتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج وتوليد الموارد.
وقال إن المنح تظل أداة مهمة في تمويل الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية، إلى جانب الإسهام في تقاسم الأعباء المرتبطة باستضافة اللاجئين.
ودعا عوض إلى توجيه التمويل نحو المشروعات التي تخفض كلف الإنتاج والنقل والمياه والطاقة، وتوفر فرصا اقتصادية في المحافظات، وإلى تحسين التنسيق بين المؤسسات وتبسيط الإجراءات وتوفير بيانات موثوقة للشركاء وتعزيز الشفافية والرقابة العامة على خيارات التمويل وأوجه إنفاقه.
وشدد على أن نجاح الشراكات التنموية ينبغي أن يقاس بنتائجها الفعلية على الاقتصاد والمجتمع، وفي مقدمتها توفير فرص عمل مستقرة بأجور مناسبة، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتحسين جودة الخدمات العامة.



