يُحدث شهر رمضان المبارك تغييرًا واضحًا في الإيقاع اليومي للأسر، إذ تفرض ساعات الصيام الطويلة وروحانية الشهر نمطًا مغايرًا لما اعتاد عليه الأفراد طوال العام. ويرى مختصون أن الشهر الفضيل يشكّل فرصة سنوية لإعادة تهذيب السلوك وتعميق الروابط الأسرية، شريطة إدارة الضغوط اليومية بحكمة وتنظيم الحياة بما يحفظ الهدوء والتوازن داخل البيت.
تأثير الصيام على السلوك والانفعال
توضح أخصائية الطب النفسي والإدمان الدكتورة ريتا أسعد أن انخفاض مستويات الغلوكوز خلال ساعات الصيام يؤثر مباشرة على عمل الدماغ، خاصة القشرة الجبهية المسؤولة عن التحكم بالسلوك والانفعال، ما يجعل بعض الصائمين أكثر عرضة للتوتر والاندفاع.
وتشير إلى أن اللوزة الدماغية تصبح أكثر حساسية خلال هذه الفترة، بالتزامن مع ارتفاع هرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين، الأمر الذي يفسّر حدّة الانفعال قبل أذان المغرب.
كما يتسبب الانقطاع المفاجئ عن النيكوتين لدى المدخنين بظهور علامات انسحابية تشمل:
- التهيّج والقلق
- الصداع
- صعوبة التركيز
وتبلغ هذه الأعراض ذروتها عادة قبيل الإفطار. أما التوقف عن الكافيين فيزيد من نشاط الأدينوزين داخل الدماغ، ما يؤدي إلى توسع الأوعية الدموية وحدوث صداع وخمول ذهني.
وتوصي أسعد بضرورة تثبيت نسبة السكر في الدم عبر وجبة سحور متوازنة غنية بالبروتين والألياف، مع تخفيف التدخين والكافيين تدريجيًا قبل رمضان لتجنّب الأعراض الحادة. كما تنصح باعتماد تقنيات التهدئة مثل التنفس البطيء، والمشي الخفيف قبل الإفطار، وتقليل الضوضاء والمنبهات البصرية، إضافة إلى تنظيم النوم والحد من استخدام الشاشات مساء.
الصبر والمودة… قيم تُعيد تماسك الأسرة
من جانبه، يؤكد المتخصص في الفقه وأصوله الدكتور خالد البزايعة أن شكاوى بعض الزوجات من ازدياد التوتر لدى الأزواج خلال رمضان تعود غالبًا لعوامل جسدية ونفسية متشابكة، من بينها الإرهاق وضيق الوقت والانقطاع عن المنبهات.
ويشير إلى أن رمضان يجب أن يُنظر إليه كـ محطة تربوية وإيمانية، مستشهدًا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
“من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”.
ويرى البزايعة أن تعزيز الأجواء الروحية داخل المنزل يساعد في تهدئة النفوس وتحقيق الانسجام الأسري، داعيًا إلى تدريب النفس على الصبر وإدارة المواقف اليومية بروح من الرحمة.
أما الاستشارية الأسرية والتربوية حنين البطوش فتؤكد أن الصيام يشكل تدريبًا عمليًا على ضبط الغضب ولين الكلام، موضحة أن وعي الأسرة بهذه القيم يحول الخلافات البسيطة إلى فرص للتفاهم بدل التصعيد.
وتبرز البطوش أهمية الحوار الهادئ، إذ يحتاج كل فرد في الأسرة إلى مساحة للتعبير عن إرهاقه دون خوف من اللوم. كما أن وضع خطة يومية مرنة تشمل أوقات الراحة والعبادة والعمل والتواصل العائلي، يقلل من الفوضى الانفعالية ويعزز الاستقرار في البيت خلال الشهر الفضيل.