كشفت دراسة وطنية موسّعة عن وجود قلق أردني غير مسبوق تجاه الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي بين الأطفال والمراهقين، وسط مطالب واضحة بسنّ تشريعات تنظّم هذا الاستخدام وتحدّ من المخاطر الرقمية المتنامية.
وأظهرت الدراسة، التي أُنجزت بالتزامن مع اليوم العالمي للإنترنت الآمن، أن 90% من الأردنيين يؤيدون وضع قيود قانونية تمنع وصول الأطفال دون سن 15 عامًا إلى منصات التواصل الاجتماعي، فيما عبّر 87% عن دعمهم لتنظيم استخدام الأطفال لأدوات الذكاء الاصطناعي، بما يعكس شعورًا عامًا بأن البيئة الرقمية الحالية تتجاوز قدرة الأطفال على إدارتها بأمان.
وجُمعت البيانات بين 20 كانون الأول 2025 و10 كانون الثاني 2026 عبر استطلاع شمل 1471 مشاركًا من مختلف محافظات المملكة، وأعدّته مؤسسة “أناليسيز” للدراسات والأبحاث بهدف تقييم اتجاهات الرأي العام تجاه السلوك الرقمي للأطفال في الأردن.
فجوة جيلية واضحة في فهم المخاطر الرقمية
وبحسب نتائج الدراسة، فإن البالغين يميلون إلى التركيز على المخاطر السلوكية المباشرة، مثل:
- التعرّض لمحتوى غير مناسب،
- التنمّر الإلكتروني،
- الاستغلال أو التحرّش عبر الإنترنت،
- الإدمان على استخدام الأجهزة والمنصات.
في المقابل، يركز الأطفال والمراهقون على التأثيرات النفسية الداخلية، وعلى رأسها:
- ضعف الثقة بالنفس،
- المقارنات الاجتماعية المستمرة،
- الشعور بالضغط نتيجة الوجود الرقمي الدائم.
وتكشف هذه المفارقة أن الطرفين لا يختبران التجربة الرقمية بالطريقة نفسها، ما يطرح تحديات إضافية أمام أي تدخل تشريعي أو تربوي مستقبلي.
نسبة مرتفعة من القلق تجاه الذكاء الاصطناعي
ولم يقتصر القلق على منصات التواصل، إذ عبّر أكثر من 80% من المشاركين عن خشيتهم من تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على مهارات الأطفال المعرفية، واتخاذ القرار، والقدرة على بناء علاقات اجتماعية واقعية. كما يرى 81% أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد من عزلة الأطفال عبر تقليل الحاجة للتفاعل الحقيقي.
ومع ذلك، تُظهر الأرقام أن الاستخدام متنامٍ:
- 47% استخدموا الذكاء الاصطناعي للبحث عن معلومات صحية أو نفسية.
- 37% طلبوا عبره دعماً عاطفياً أو مشورة شخصية.
- 23% أفصحوا عن مشاعرهم عبر الذكاء الاصطناعي بدل مشاركتها مع الآخرين.
وتبرز هذه النسب بشكل أكبر بين الفئات العمرية الشابة (15–24 عامًا)، ما يعكس تحوّل التقنيات الحديثة إلى مساحة موازية للتواصل والدعم.
اتفاق مجتمعي على ضرورة التدخل القانوني
ويرى 88% أن الأطفال دون 12 عامًا غير قادرين على استخدام السوشيال ميديا بأمان، بينما يعتقد 86% أنه لا يجوز السماح للأطفال تحت 15 عامًا باستخدام هذه المنصات دون رقابة مباشرة.
ومع تسجيل قناعة راسخة بارتفاع المخاطر، يميل الأردنيون إلى تحميل الأهل والمدارس المسؤولية الأكبر في حماية الأطفال، إلى جانب دور متوقع للدولة في سن تشريعات واضحة.
وتشير الدراسة إلى أن الأردن يواجه التحديات ذاتها التي تناقشها دول كبرى حول العالم، إذ يتعرض الأطفال للمنصات نفسها، والخوارزميات ذاتها، والضغوط الرقمية التي دفعت العديد من البلدان إلى اعتماد سياسات صارمة لحماية القُصّر.
خلاصة: الحاجة إلى سياسات واضحة وحوار مجتمعي أوسع
وتؤكد نتائج الدراسة أن الأردن يقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب إجراءات قانونية وتربوية مشتركة، خاصة أن المخاطر الرقمية تتزايد بوتيرة أسرع من قدرة الأسرة أو المدرسة على مجاراتها. كما تبرز أهمية تطوير برامج توعوية حديثة تتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة، إلى جانب ضرورة فتح نقاش وطني يشمل الأهل، والخبراء، وصناع السياسات.
وتشكل هذه الدراسة أول تقييم وطني شامل للرأي العام الأردني في هذا الملف، وقد تساعد على رسم خارطة طريق لحماية الأطفال في فضاء رقمي تتعاظم فيه الفرص والمخاطر على حد سواء.