أماط تقرير حديث صادر عن الشبكة الشرق أوسطية للصحة المجتمعية (إي إم فنت) اللثام عن واقع مقلق للصحة النفسية للأمهات في المملكة، حيث أظهرت البيانات أن نسبة تتراوح بين 34% إلى 53% من الأمهات الأردنيات يواجهن اكتئاب ما بعد الولادة. وتُعد هذه المعدلات من بين الأعلى على مستوى إقليم شرق المتوسط، في وقت تفتقر فيه هؤلاء النساء إلى أي شكل من أشكال الفحص المنهجي أو الدعم النفسي داخل مراكز الرعاية الصحية الأولية، على الرغم من استفادتهن جميعاً من خدمات تنظيم الأسرة المتاحة.
وبحسب التقرير الذي اطلعت عليه قناة “المملكة”، فإن هذه الأرقام المرتفعة تفوق بكثير المعدلات المسجلة عالمياً وإقليمياً، ولا يقابلها نظام صحي مجهز للكشف المبكر أو التعامل العلاجي مع هذه الحالات.
فجوة كبيرة بين المعدلات المحلية والعالمية أوضح التقرير وجود تباين صارخ في الأرقام، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً، حيث بيّن التالي:
- المعدلات المحلية: تصل إلى 53% في الأردن.
- المعدلات العالمية: تتراوح عادة بين 10% و20%.
- المعدلات الإقليمية: تتراوح بين 20% و30%.
ورغم هذه الفجوة، لا تعتمد أي من مراكز الرعاية الصحية الأولية في الأردن أدوات فحص معيارية أو منهجية لتشخيص الحالة، مثل مقياس (EPDS) أو استبيان (PHQ-9)، كما تخلو هذه المراكز تماماً من وجود اختصاصيين في الصحة النفسية.
واقع الخدمات في الميدان: غياب تام للدعم النفسي كشفت نتائج التقييم الميداني الذي استهدف مراكز الرعاية في محافظتي المفرق والأغوار الشمالية عن مفارقة في نوعية الخدمات المقدمة:
- خدمات تنظيم الأسرة: متوفرة بنسبة 100% في جميع المراكز التي شملتها الدراسة.
- الكشف عن الاضطرابات النفسية: غائب تماماً، ولا توجد أي إجراءات مخصصة لذلك.
- الأدوية النفسية: سجل التقرير نسبة 0% لتوفر الأدوية الأساسية لعلاج الاكتئاب في هذه المراكز.
تحديات البنية التحتية والخصوصية سلط التقرير الضوء على ضعف الجاهزية المكانية والإدارية في المراكز الصحية للتعامل مع الحالات النفسية:
- غياب الخصوصية: تفتقر 55% من المراكز إلى غرف خاصة تسمح بإجراء استشارات نفسية سرية، مما يجعل أي تدخل تشخيصي أو علاجي أمراً شبه مستحيل.
- قصور المتابعة: تدعي 82% من المراكز أنها تقدم “خدمات صحة نفسية”، إلا أن ذلك يقتصر فعلياً على مجرد “الإحالة” لجهات أخرى، دون وجود نظام للمتابعة أو إدارة الحالات داخلياً.
الحواجز الاجتماعية: “الوصمة” ومعاناة الصمت رصد التقرير عوائق مجتمعية وثقافية تحول دون حصول النساء على المساعدة، أبرزها “الوصمة الاجتماعية” المرتبطة بالمرض النفسي. وأظهرت المناقشات البؤرية ضمن الدراسة النتائج التالية:
- تفضيل نسبة كبيرة من النساء إخفاء الأعراض خشية اتهامهن بالضعف أو خوفاً من نظرة المجتمع.
- تفسير الأزواج غالباً للعلامات النفسية والاضطرابات التي تظهر على الأمهات بأنها مجرد “توتر” عابر، مما يفاقم المشكلة.
الفاتورة الاقتصادية لإهمال الصحة النفسية لم يغفل التقرير الجانب الاقتصادي، مؤكداً أن تجاهل الصحة النفسية يكبّد الدولة خسائر فادحة تتجاوز الأثر الاجتماعي:
- الخسائر السنوية: تُقدر كلفة الأمراض النفسية في الأردن بحوالي 0.86% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل نحو 251.8 مليون دينار سنوياً.
- جدوى الاستثمار: تظهر تحليلات العائد على الاستثمار أن إنفاق دينار واحد على خدمات الصحة النفسية يعود بـ 3.3 أضعاف في حال تم تطبيق نماذج الرعاية المجتمعية الفعالة.
توصيات عاجلة للتدخل خلص تقرير “إي إم فنت” إلى حزمة من التوصيات العملية لتحسين واقع الصحة النفسية للأمهات، تضمنت:
- دمج الفحوصات: إدراج فحوصات قصيرة ودورية للكشف عن الاكتئاب كجزء أساسي من زيارات تنظيم الأسرة والمتابعة بعد الولادة.
- التأهيل والتدريب: تمكين القابلات والممرضات من خلال تدريبهن على تقديم “جلسات استشارية موجزة” (بواقع 2 إلى 4 جلسات) للحالات الخفيفة والمتوسطة.
- نظام الإحالة: تأسيس مسارات واضحة للإحالة بين مراكز الرعاية الأولية والخدمات النفسية المتخصصة، مع ضمان وجود آلية متابعة ثنائية الاتجاه.
- تحسين البيئة: تعزيز الخصوصية داخل المراكز الصحية عبر توفير غرف مخصصة أو استخدام قواطع وتقسيمات منخفضة التكلفة.
- التوعية المجتمعية: إشراك الأزواج والقيادات المجتمعية والدينية في حملات تثقيفية تهدف لكسر حاجز الوصمة وتحسين منظومة الدعم الأسري.