تعجّل الهند بتدابير الحجر الصحي لاحتواء تفشي فيروس نِيْپاه في ولاية بنغال الغربية الشرقية بعد تسجيل خمسة إصابات مؤكدة، تشمل أطباء وممرضات. ووفقاً لوسائل إعلام محلية، وضعت السلطات نحو مئة شخص في عزل منزلي، بينما يتلقى المصابون العلاج في مستشفيات كولكاتا والمناطق المجاورة. ويُوصف حال أحد المرضى بأنها حرجة.
لا يملك فيروس نِيْپاه لقاحاً أو علاجاً خاصاً، ويُعدّ من أخطر العوامل الممرضة عالمياً. تُصنّفه منظمة الصحة العالمية ضمن الفيروسات ذات أعلى مخاطر الانتشار الوبائي. ويؤكد الخبراء أن إصابة البشر نادرة وترتبط عادةً بنقل الفيروس من الخفافيش عبر الفواكه الملوثة. يَرْوِي ذلك موقع The Independent البريطاني.
أعراض فيروس نِيْپاه التي تظهر
يبدأ الإصابة بفيروس نِيْپاه (NiV) عادةً بأعراض عامة، مما يُصعّب الكشف المبكر عنها.
بحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة (CDC)، يتراوح فترة الحضانة عادةً بين أربعة و21 يوماً، مع تسجيل حالات فردية في تفشيات سابقة شهدت تأخيراً أطول بين التعرّض والأعراض.
يصاب المرضى فجأة بحالة تشبه الإنفلونزا: ارتفاع في درجة الحرارة، صداع، آلام عضلية، وإعياء. يظهر لدى بعضهم أعراض تنفسية مثل السعال، ضيق التنفس، أو الالتهاب الرئوي، مع اختلاف في توقيتها وشدّتها.
الخطورة الرئيسية والمميّزة لنِيْپاه هي التهاب الدماغ (التهاب الدماغي). تظهر الأعراض العصبية – مثل ارتباك الوعي، اضطراب الإدراك، التشنجات، أو الغيبوبة – بعد أيام أو أسابيع من بدء المرض.
قد يصاب بعض المرضى أيضاً بالتهاب السحايا.
مدى فتك فيروس نِيْپاه
يتميّز فيروس نِيْپاه بمعدّل وفيات مرتفع جداً: يتراوح بين 40 و75% حسب التفشي والسلالة الفيروسية.
لدى الناجين، قد تستمر الآثار العصبية طويلاً، مثل تشنجات مستمرة أو تغييرات واضحة في الشخصية (كما ورد في تحديث وكالة أمن الصحة البريطانية UK Health Security Agency).
في حالات نادرة، قد يعود التهاب الدماغ بعد أشهر أو سنوات، إمّا بسبب انتكاسة أو إعادة تنشيط الفيروس.
كيفية انتقال فيروس نِيْپاه
فيروس نِيْپاه زوونوزي: ينتقل من الحيوانات إلى الإنسان ومن إنسان إلى إنسان، حسب منظمة الصحة العالمية.
الخفافيش الفاكهة (جنس Pteropus) هي الناقلون الطبيعيون الرئيسيون. يُصاب الإنسان عبر الاتصال المباشر بالخفافيش المصابة أو الحيوانات الأخرى، أو تناول طعام ملوّث بلعابها أو بولها أو برازها.
سُجِّل انتقال من إنسان إلى إنسان، خاصة عبر سوائل الجسم أثناء الاتصال الوثيق.
أين عُثِرَ على فيروس نِيْپاه للمرّة الأولى
عُثِرَ على فيروس نِيْپاه (NiV) أوّل مرّة عام 1999 بعد تفشي التهاب دماغي وأمراض تنفسية بين مزارعين وأشخاص اتصلوا عن كثب بخنازير مصابة في ماليزيا وسينغافورة. هناك، أُدرِكَ كعَوْلَمِيٍّ خطير قادر على الانتقال من الحيوانات إلى البشر.
شهدت جنوب آسيا تفشيات متكرّرة لاحقاً. سُجِّلت حالات في مناطق شمال شرق الهند وبنغلاديش، حيث يتكرّر التفشي سنوياً تقريباً منذ 2001 في بنغلاديش.
في جنوب الهند، أبلغت ولاية كيرالا عن أوّل تفشي عام 2018، تلاه حالات فردية في السنوات اللاحقة.
خارج جنوب آسيا، ذُكِرَتْ إصابات في الفلبين؛ تشير التحقيقات إلى فيروس نِيْپاه أو سلالة مشابهة “نِيْپاهْ-شبيهة”.
تُشير الدراسات إلى خفافيش الفاكهة كخزان طبيعي. عُزِلَ الفيروس من بول خفافيش في ماليزيا، وكُشِفَتْ أجسام مضادّة في 23 نوعاً على الأقل في آسيا، وفي أجزاء من أفريقيا مثل غانا ومدغشقر.
رغم الخزان الحيواني الواسع، حدِّدَتْ التفشيات البشرية جنوب وجنوب شرق آسيا. يفسّر ذلك منظمة الصحة العالمية بأنها تحدث في مناطق ريفية أو شبه ريفية حيث يزداد احتمال الاتصال بين البشر والخفافيش والحيوانات المنزلية.
“سُجِّلَ انتقال نِيْپاه من إنسان إلى إنسان بين أفراد العائلة والمُعَالِجِينَ”، حسب منظمة الصحة العالمية.
هل يوجد علاج؟
لا يوجد حالياً علاج مثبت خاص لإصابة نِيْپاه، ولا لقاح مُعْتَمَدْ للوقاية.
الرعاية للمرضى دعميّة بشكل أساسي، تركّز على السيطرة على الأعراض وعلاج المضاعفات تدريجياً.
أدرَجَتْهُ منظمة الصحة العالمية ضمن قائمة العَوَالِمِ الوبائية الأولويّة في برنامجها Research and Development Blueprint للتهديدات التي تحتاج بحوثاً عاجلة.
كيفية تقليل خطر الإصابة بنِيْپاه
دون لقاح، تعتمد الوقاية من نِيْپاه على الوعي والتدابير الوقائيّة البسيطة، حسب المنظّمات الصحيّة الدوليّة. تركّز التوصيات على تقليل الاتصال بالفيروس من الخفافيش أو الحيوانات أو المصابين.
- الوقاية من انتقال الخفافيش إلى البشر: الخفافيش الناقلون الرئيسيّون. تنصح منظمة الصحة العالمية بتجنُّب شرب عصير نخيل التمر النِّيْءِ أو الفواكه الملوّثة بخفافيش. غليُّ العصير الطازج وغسل الفواكه جيّداً أو تقشيرها يُقَلِّلُ الخطر. يُلْقَى بالفواكه ذات آثار عضِّ خفافيش.
- الوقاية من انتقال الحيوانات إلى البشر: يُنْصَحُ مَنْ يتعاملون مع حيوانات مصابة أو أنسجتها أو يذبحونها بارتداء قفّازات وملابس واقية. يُقَلَّلُ الاتصال بالخنازير المصابة. تُنْصَحُ مزارع الخنازير في مناطق الخفافيش بحماية الأعلاف والمباني.
- الوقاية من انتقال الإنسان إلى الإنسان: يُتَجَنَّبُ الاتصال الوثيق غير المحميّ مع مَصْابِيْ نِيْپاه. غسل اليدين بانتظام بعد رعاية المرضى أو زيارة ذوي الأعراض أمر أساسيٌّ لوقف الانتشار.
فيروس نِيْپاه في الثقافة الشعبيّة
فيلم Contagion (2011)، الذي يُصْوِرُ انتشاراً عالمياً سريعاً لفيروس خطير، استوحى جزئياً من عوَالِمِ حقيقيّة مثل نِيْپاه، كما تذكِّر منظّمة Path الدوليّة. يُسَبِّبُ نِيْپاه أمراضاً تنفُّسية شديدة والتهاب دماغيّاً، وينتقل من الحيوانات عبر طعام ملوّث أو من مصابين.
هذا المزيج من الوفيات العالية، إمكانيّة التفشِّي، وعدم وجود لقاح جعلَ نِيْپاه “نموذجاً” لكيفية تحول زوونوزي إلى أزمة عالميّة، استخدمَهُ صانِعُوْ الفيلم لبناء سيناريو واقعيّ.